مقالات الرأي

عصبية السلطة لدى آل الأسد

بعد أن سطا حافظ الأسد على السلطة عام 1970؛ ضرب هيكلية الدولة، وألغى سلطة القانون، وعمل على خلخلة النظام الاجتماعي والقانوني السوري الذي كان سائدًا، وعلى تحويله إلى نظام عصبوي طائفي، ففي المرحلة الأولى من انقلابه العسكري، استخدم القوة المفرطة لمواجهة خصومه، وعمل على تصفيتهم جسديًا أو زجهم في السجون، حيث بدأ بالانتقام والثأر من العلويين المعارضين لنهجه، من العائلات العريقة في منطقته، وذلك لشعوره بالدونية الطبقية والعشائرية والأخلاقية، كما قام الأسد ومنظومته بتفكيك الهياكل والعلاقات الاجتماعية وشبه المدنية، تحت شعارات العروبة والاشتراكية، وبنى منظومة عشائرية سياسية، تتألف من عائلته والمقربين منه، وجعلهم في أعلى السلطة بتمايز وظيفي لا هرمي، وترتبط هذه الشريحة الجديدة بالمحسوبيات والتسهيلات المصلحية المتبادلة ذات الطبيعة الطفيلية. ثم عمد إلى تهميش كل القوى الفاعلة على الساحة السورية الداخلية، ومن ثم عمل على عسكرة مؤسسات السلطة، مسيّجًا نفسه ببطانة ومماليك جدد من ضباط وأجهزة أمن، من لون واحد، جلبهم من الريف حاملين عقلية الغزاة، فاستولى على 85 بالمئة من ميزانية الدولة، بذريعة التوازن الاستراتيجي مع العدو، وهذه السلطة التي أسسها كانت شبه مطلقة، وقد تجسدت في شخصه، ولترسيخ سلطته المطلقة، قام بتأمين القوة الكافية للردع والقمع، التي منحها للريفيين الجدد مقابل بناء مملكته، الذين سرعان ما استأثروا بالمُلك السياسي مقارنة بالتملك الطبيعي، كما يصف ابن خلدون في مقدمته، وتحويل الدولة إلى مزرعة مافياوية ذات عصبية سياسية، حسب نظرية الجذمور الدولوزية (نسبة إلى جيل دولوز): “حيث تكون كل البؤر في منطقة وسطى، بلا بداية ولا نهاية، وتعبّر عن نفسها عن طريق شبكة جمع العلاقات الفاعلة”، وشكلت الجذمورية شبكات طفيلية مهيمنة، سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية، تنمو على جسم المجتمع.

من هنا؛ كان حافظ الأسد يكره الإنتاج والصناعة، وفقًا للنظرية الجذمورية، لأن تمدد تلك الشريحة كان شرطًا لإنتاج العنف الذي يحمي مصالحه، من خلال سلب ثروات المجتمع وتحطيمه بنيويًا، وتركه من دون أي تنمية وتطور. ومع مرور الزمن؛ أصبح حافظ الأسد حاكمًا مطلقًا يمارس استبدادًا غير مسبوق بعنفه، ووحشيته، وانفلاته عن قيم العالم المعاصر، وكان مؤسسَ هذه المملكة المرعبة باعتباره “رجل أمن لا رجل دولة” (كما وصفه السفير السابق لسورية في الأمم المتحدة في الثمانينيات حمود الشوفي) حيث بنى الدولة الأمنية القائمة على مخالفة القانون، ووضَع الأصول الأخلاقية والقانونية خارجها، معتمدًا على عناصر فاقدة للقيم تم تدريبهم -نفسيًا وبدنيًا- على ارتكاب كل صنوف الإجرام بحق السوريين، وأوحى النظام لهؤلاء الشبيحة بأن السلطة ملك لهم، واضعًا موارد الدولة في خدمة سلطته وأجهزته الأمنية وحاشيته وأتباعه، حيث جعل منها طبقة مسيطرة بيروقراطية بدوية في بذخها، وفي هدرها للمال العام، تنفر من الإنتاج، وتفضل تأجير سيفها بدلًا من الإنتاج. وتمارس النهب المنظم والسطو على مقدرات السوريين وثرواتهم، وعملت على إفقار الشعب، على حساب تضخيم أموال رأس الهرم (النفط كان يدخل إلى ميزانية الأسد كعائلة، ولم يدخل طوال أربعين عامًا في ميزانية الدولة) وبعد أن سيطر على كل مفاصل الحياة، وهيمن على قوى المجتمع، أصبح الوعي العام يتماهى بين السلطة والدولة والطائفة، مختزلًا الدولة بالسلطة ثم بشخصه، يحميه جهاز مخابراتي يدين بالولاء لشخصه، مؤسسًا ديكتاتورية غير مسبوقة بعنفها ووحشيتها وانفلاتها. كما جاء في مقدمة فايز القنطار لكتاب (سورية الجنرال أسد) لكاتبه دانيال لوكا.

أعدم الأسد سورية، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، عبر هدم الأحزاب والنقابات والمؤسسات المدنية، وكل مصادر الوعي والثقافة والفكر، وأحلّ محلها ذهنية عصبية قبلية مقيتة. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن ما يهمّ نظام الأسد وحاشيته هو البقاء في السلطة والحفاظ عليها، بأي طريقة كانت، ومهما بلغت التكلفة، وفي سبيل ذلك عمل على إسقاط منظومة الأخلاق والقيم والوطنية، وحوّل سورية إلى مزرعة خاصة به، بل إنه أضاف اسمه إلى اسم سورية لتكون “سوريا الأسد”.

كانت قوائم تلك السلطة طغمة عسكرية عصبوية ذات سلوك عبيدي في تنفيذ الأوامر، يضاف إليهم مرتزقة طائفيون استقدمهم أثناء الثورة 2011 من إيران والعراق وأفغانستان وباكستان ومن روسيا، فأضاف إلى الاحتلال الداخلي احتلالًا خارجيًا، ودفع بالعنف البربري والقتل والتدمير إلى حدود لم يعرفها التاريخ. إن شخصية هذا الدكتاتور الأسد هي محور النظام الوحشي الوراثي، وهو يعتمد المذهبية في إرساء قواعد ملكه، إذ ليست العصبية هدفًا بذاتها وإنما هي شرطٌ لإنتاج العنف، فيقوم بتدمير مناهل الوعي والثقافة والفكر، ويغلف ذلك عبر مجموعة من شعارات زائفة عن العروبة ومعاداة الصهيونية والإمبريالية.

ونتيجة الاطلاع والتجربة، تبّينتُ أن نقل المعتقلين إلى سجن صيدنايا -مثلًا- يمرّ بمراحل عدة، بين تحقيقات واستجوابات، فيها كثير من أساليب الإذلال والإهانة. ولنا أن نتساءل: كيف استغلّ نظام الأسد سذاجة هؤلاء الجبليين وفقرهم ومعاناتهم، وحولهم إلى خدم لمشروعه الاستبدادي في تملك السلطة، وأدخلهم في حقيبة أدواته حتى صاروا يعتقدون أن كلّ من يحتجّ على تقصير الحكومة هو ضد الدولة وضد الرئيس، وكأنّ الرئيس والدولة والحكومة شيء واحد!

لقد استغل نظام الأسد المظلومية التاريخية للطائفة العلوية (فوبيا الآخر) حتى النهاية؛ فحشدها للدفاع عنه في مواجهة المجتمع السوري، معتمدًا العصبية الطائفية وتذكية الشعور بالخوف من الآخر، لكي يصل إلى غايته في البقاء. وقد أثبتت الوقائع أن هذه المنظومة السلطوية غير قابلة للإصلاح، وينبغي تفكيكها عبر مشروع متكامل من الأدوات الفكرية والخبرات في المقاومة المدنية وبناء الأوطان، والإفادة من تجارب شعوب أخرى تحررت من الاستبداد. إن نزع الطائفة من السلطة يبدأ بحل الأجهزة الأمنية وتفرعاتها القمعية الأكثر عنفًا، ثم هدم أسس الدولة العصبوية جميعها، ووضع أسس دولة المواطنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close