ترجماتسلايدر

عارٌ على العرب

لقد كشف العديد من الحكام العرب عن إفلاسهم الأخلاقي من خلال إحياء العلاقات مع سورية وقبول مجرم حرب

بشار الأسد يجتمع مع نظيره السوداني عمر البشير في دمشق في 12 كانون الثاني/  يناير، 2008. (لؤي بشارة، وكالة الصحافة الفرنسية، صور جيتي)

في آذار/ مارس، ستقوم لجنة العدالة والمساءلة الدولية (CIJA) -وهي منظمة غير ربحية مكرسة لإجراء تحقيقات جنائية أثناء الحروب، عندما لا توجد إرادة سياسية أو قدرة على إشراك هيئات تحقيق عامة قائمة- بإكمال تحقيقها النهائي الشامل في جرائم حرب الدكتاتور السوري بشار الأسد.

يستند التحقيق إلى امتلاك لجنة العدالة والمساءلة الدولية لأكثر من 800 ألف من البرقيات الرسمية من أجهزة الاستخبارات والأمن الأربعة الرئيسة في سورية، والتي تم الحصول عليها من خلال عمل اللجنة مع مجموعات حقوق الإنسان في البلاد. كانت أجهزة الاستخبارات هذه مسؤولة عن الإشراف على مذابح ما يقرب من نصف مليون شخص، في سياق العمليات العسكرية من قبل قوات الأسد وحلفائهم الأجانب، وأبرزهم روسيا وإيران. بمجرد الانتهاء من التحقيق، ستكون اللجنة جاهزة لتقديم 10 قضايا قانونية ضد الأسد وحكومته، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية (وستة قضايا إضافية ضد الدولة الإسلامية).

على الرغم من جرائم الحرب المروعة تلك، فقد أُعلن مؤخرًا أن مجموعة من الدول العربية بدأت تطبيع العلاقات مع دمشق بعد أن قطعوها عام 2011، عندما أصبحت عمليات القتل الجماعي والقمع السمة المميزة للحرب الأهلية. أعلنت كل من البحرين والإمارات العربية المتحدة في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2018، أنه أُعيد فتح سفاراتهما في دمشق. ومن المقرر أيضًا استئناف الرحلات الجوية بين البلدين وسورية قريبًا. إضافة إلى ذلك، أعربت مصر والعراق وتونس، الديمقراطية الوليدة والمريضة، عن دعمها لعودة سورية إلى جامعة الدول العربية.

أخيرًا، زار عمر البشير، الرئيس السوداني -وهو مُتهم بجرائم حرب ويواجه حاليًا احتجاجات جماهيرية في الداخل- دمشق، واستقبله الأسد، مجرم الحرب، في المطار ثم رافقه إلى القصر الرئاسي. وبحسب وكالة الأنباء السورية -سانا- التي تديرها الدولة، ركزت المحادثات على إعادة العلاقة بين البلدين “إلى ما كانت عليه قبل الحرب على سورية”. أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية ذات الوزن العربي، فلا يمكنها إعادة التعامل مع الأسد ونظامه، بعد الفظائع التي وقعت بسبب العلاقات التاريخية الفريدة للرياض وعلاقاتها الدينية والقبلية بغالبية الشعب السوري.

إن المقاربة العربية تجاه سورية، والإحياء الأحدث للعلاقات مع الأسد، علامات تجسّدُ عدم الكفاءة والإفلاس الأخلاقي لعشرات من حكام المنطقة الحاليين. والسبب الجذري لهذه التصرف السيئ هو البوصلة الأخلاقية المكسورة التي طالما قادت العرب إلى الانحراف. إن أي مقارنة بين الاستجابات الأوروبية والعربية لجرائم الحرب تُقدّم درسًا واضحًا. بعد ملاحقة راتكو ملاديتش ورادوفان كارادزيتش، أمراء الحرب المجرمين، بقوة بعد الحرب الأهلية اليوغسلافية، اعتقل الأوروبيون ورحلوا جزار البوسنة وصربيا، وسلموهما إلى المحاكمة في لاهاي لارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بتهمة ذبح المسيحيين الكرواتيين والمسلمين البوسنيين، وإرسالهم للموت في السجن. كيف يمكن مقارنة الرد العربي على الإبادة الجماعية لإخوتهم العرب المسلمين بينهم؟ يستعرض البشير والأسد، جزارا السودان وسورية، معًا أمام الكاميرات بينما يراقبهما العرب بلا أي مبالاة.

بقدر ما أن هذا التغير الكامل والمفاجئ مخزٍ ومضلل، فقد برر القادة العرب ذلك على أساس أن التودد إلى الأسد سيبعده من إيران، ويساعد في الحد من نفوذ البلد الحاقد في المنطقة. تبحث الدول العربية، بالطبع، عن أي طريقة تمكّنهم من بناء جدار بين إيران والعالم العربي، في مواجهة سياسات طهران المستمرة لزعزعة الاستقرار من خلال وكلاء محليين. ألحقت الميليشيات والإرهابيون المدعومون من إيران الدمار في سورية، والبحرين، واليمن، والعراق، ولبنان، وأماكن أخرى منذ عقود، وأصبحوا الآن المحور الأساس لمحاربة الإرهاب في الدول العربية، وخاصة الآن بهد أن هُزمت تقريبًا الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة.

ومع ذلك، فإن تجربة لبنان، حيث قامت الدول الغربية ودول الخليج العربية بضخ مليارات الدولارات كمساعدات، في محاولة غير مجدية لهزيمة إيران، تُظهر أن مثل هذا المقاربة لم تنجح ولن تنجح. في أعقاب الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006، كان التفكير الأميركي والعربي والأوروبي أنه إذا أمكن بناء الجيش اللبناني، عندها سيتفوق على حزب الله ويتسبب في حلّه. لكن العكس حدث. حزب الله أقوى من أي وقت مضى، وينسق الجيش اللبناني الآن بشكل أساسي جميع عملياته مع المنظمة الإرهابية، وازداد نفوذ إيران في لبنان.

هذا المستنقع هو تناسخ حديث للأسطورة العظيمة لتقرير كامبل بانرمان [سياسي بريطاني، ورئيس الحكومة من 1905 إلى 1908]. لعقود من الزمان، وضع القادة والمثقفون العرب أراضيهم وشعوبهم تحت ظلٍ فرضوه بأنفسهم، لخيالٍ مزعوم يعود إلى مؤتمر 1907 الإمبراطوري في لندن، الذي استضافه هنري كامبل-بانرمان، رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت. إنها الحالة الكلاسيكية للعرب الذين يلومون الآخرين على مأزقهم، ويخرجون بأي عذرٍ لتفادي معالجة المشكلات الأساسية والصعبة.

كما تذهب الأسطورة إلى أن المملكة البريطانية رسمت مستقبل ومصير الشعب العربي وأراضيه. وربما أكد التقرير أن العرب سيطروا على “أراض واسعة تعج …بالموارد”، وأنه إذا “قُدّر لهذه الأمة أن تتوحد في دولة واحدة، فإنها ستمسك مصير العالم في أيديها، وستفصل أوروبا عن بقية العالم”. كما أوصى بالعديد من الإجراءات العلاجية لهذا المأزق: تعزيز الانقسام في المنطقة، وإنشاء “كيانات سياسية مصطنعة تكون تحت سلطة الدول الإمبريالية”، ومحاربة جميع أنواع الوحدة، وإنشاء”دولة عازلة … في فلسطين، يسكنها وجود قوي وأجنبي، من شأنه أن يكون معاديًا لجيرانها، وأن يكون ودودًا مع الدول الأوروبية ومصالحها”.

إلا أن الباحثين يعرفون الآن، ويعود الفضل إلى عمل يوجين روغان، وهو خبير جامعة أكسفورد في الشرق الأوسط، أن تقرير كامبل-بانرمان لم يكن مكتوبًا على الأرجح. ومع ذلك، فإن القادة العرب، الذين غالبًا ما يفتقرون إلى القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، ظلوا يعيشون بموجب روايته حوالي ما يقرب من قرن. يبدو أنهم يستثمرون بعمق أكثر من أي وقت مضى في تحقيق أجندة إدواردية [وهي الفترة الممتدة من عام 1900 إلى 1915، حيث كانت فترة تزايد قوة بريطانيا وتوسعاتها الاستعمارية] مزورة: إن الشعوب العربية منقسمة بشدة، وجامعة الدول العربية هي عبارة عن صدفة فارغة، والدول العربية تتقاتل فيما بينها. وما زال الكثيرون يُحملون المسؤولية -من دون وعي- لذلك الإمبريالي كامبل-بانرمان وخلفائه الكثيرين، مثل اللورد كيرزن وهنري مكماهون، المفوض السامي، لدورهم في تقسيم العالم العربي، وإضعافه في ظل المملكة البريطانية.

هذا، بالطبع، هو جزء من مشكلة أكبر. يُظهر تفحص سريع للواقع أن غالبية الدول العربية لم تقم لتحقيق أهداف واضحة، بل قامت لتتابع السير بطرق سهلة تحافظ فيها على وجودها، بغض النظر عن سمعتها أو فعاليتها. هناك غياب تام للتقدم على الجبهة الأمنية. مرارًا وتكرارًا، فشلت الجهود في توحد أو اندماج العديد من الدول العربية العديدة تحت مظلة دفاعية موحدة، وهو ما جعل المنطقة تحت رحمة القوى الأجنبية مثل إيران وتركيا. ثم هناك عدم القدرة الأبدية في التغلب على الفقر والتخلف والتطرف، وتوليد نوع من النمو الاقتصادي المتنوع الذي يسمح للعالم العربي بالمنافسة في السوق العالمية بأكثر من مجرد الموارد الطبيعية والسياحة.

بدلًا من العيش في الماضي، يجب على العرب قبول الحاضر. يجب عليهم تسوية الخلافات فيما بينهم، حتى يتمكنوا من إنشاء مجتمع ثابت قادر على عمل موحد. يجب أن يعملوا على تحسين ترابطهم وينوعوا اقتصاداتهم. وبمجرد أن توجد الوحدة والمحاسبة والازدهار في الوسط العربي، يمكن للعالم العربي أن يبدأ التوحّد بشكل صحيح، لوقف الإمبرياليين الإقليميين الحاليين اليوم: إيران وتركيا.

لسنوات عديدة، قيل إن وجود إسرائيل يديم الضعف العربي. أعطت إسرائيل الحكومات العربية المبرر المثالي لتجنب أنواع الإصلاحات الضرورية، لتصبح دولًا حديثة وقوية وموحدة قادرة على طرد القوى الأجنبية ودكتاتوري الإبادة الجماعية. ومع ذلك، فإن أسطورة تقرير كامبل-بانرمان تُظهر أن المشكلة أقدم بكثير من إسرائيل: لقد تبنى العرب بالأساس عقلية الأسطورة الانهزامية والتآمرية الأجنبية، التي تجردهم من أي إرادة، وتلقي باللائمة على الخارج. كانت النتيجة فشلًا في بناء عالمهم الخاص والمستدام.

لقد اُرتكبت جرائم فظيعة في سورية، وما لم يستيقظ العالم العربي من كابوسه التاريخي الطويل، ويحشد الإرادة لمقاضاته في المحاكم الإقليمية والدولية؛ فسوف يغوص أعمق فأعمق نحو مستويات من العجز والانقسام، يمكن أن يجدوا مبررًا لها بعدوٍ مُفترض مثل كامبل بانرمان.

اسم المقال الأصلي Shame on the Arabs
الكاتب نواف عبيد،NAWAF OBAID
مكان النشر وتاريخه فورين بوليسي،FP، 3/2
رابط المقالة https://foreignpolicy.com/2019/02/03/shame-on-the-arabs-uae-bahrain-syria-assad-resume-diplomatic-ties-war-crimes/
عدد الكلمات 1192
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق