كلمة جيرون

لا تُصدّقوا

تناقلت الأخبار أن اشتباكات جرت في أكثر من منطقة في سورية، بين ميليشيات مدعومة من روسيا، وأخرى مدعومة من إيران، من بينها “الفيلق الخامس” و”الفرقة الرابعة” و”قوات النمر” و”حزب الله” وغيرها من الميليشيات المنفلتة في عرض سورية وطولها، وفسّر كثيرون أن هذه الاشتباكات هي بداية خطّة روسية لتحجيم النفوذ الإيراني في سورية، ربما تجاوبًا مع ضغوط أميركية.

بالعودة إلى تركيبة هذه الميليشيات؛ نرى أنها شُكّلت أساسًا من تجميع لميليشيات “الشبيحة” و”الدفاع الوطني”، و”صقور الصحراء” و”درع الساحل” وغيرها العشرات من الكتائب الطائفية المنفلتة “البلطجية”، يتزعمها أمراء حرب وقتلة، وتدين بالولاء لروسيا أو لإيران، وهما الدولتان المحكومتان بمافيا سياسية لا تُؤتمن.

من الصعب الاقتناع بأن روسيا ستشتبك مع إيران، لا الآن، ولا في أي وقت على المدى القريب، فالمافيات متفاهمة، والمصالح متكاملة، والتركيبة العسكرية منسجمة، وكلٌ يؤدي دوره بإتقان، وهما يتوازعان النفوذ والقوى والمكاسب والنهب بميزان، ويتبادلان الأدوار، وكلٌ سيحمل خطايا غيره، إن احتاج الأمر إلى حمّال خطايا.

منذ تدخلها العسكري المباشر في سورية، لم تتعامل روسيا مع السوريين كنظام أو كدولة، بل كمافيات تحكم دولة وتسعى لتفتيت البلد وإذلال شعبها، وما زالت مستمرة في هذا النهج ومستمتعة بهذا الدور، وما يُشاع بأن القوات الروسية في سورية أرحمُ من قوات النظام، ما هو إلا محاولة لتجميل القبيح، بمقارنته بمن هو أقبح منه.

منذ ذلك اليوم المشؤوم، في أيلول/ سبتمبر 2015، توازع الروس والإيرانيون الأدوار، وتفاهموا أن ينهش كل واحد ما يريد من سورية، من دون أن ينهش الآخرَ؛ فتوسّعت روسيا عسكريًا، واخترقت جيش النظام، وقضت على المعارضة المسلحة، ودمّرت ما نسي النظام تدميره، بينما تغلغلت إيران في المجتمع، وركّزت على التغيير الديموغرافي، ونهبت ما نسي النظام نهبه.

روسيا نظام مافيا، وإيران نظام إرهاب، كلاهما يحيا على الأزمات، وكلاهما متخم بها، وإن اختلفا على شيء في سورية، فإنما هو اختلاف على غنيمة، أو نهب أو سرقة، أو نفوذ مؤقت، أو نتيجة خطأ غير مقصود تسبب فيه أحدهما للآخر، ومن الصعب أن يكون ما بينهما خلافًا استراتيجيًا بين شريكين، فما يجمعهما أكثر بكثير مما يمكن أن يفرقهما.

في الجانب الآخر، مشكوك بالضغوط الأميركية المزعومة، وإن كانت حقيقية، ويجب الانتباه إلى أن روسيا باتت كإيران، تُحكم بالتقية، وتعتمد سياستها على الاحتيال والتلوّن، وإضمار غير ما يُعلن عنه.

التسويق بأن روسيا تضغط على إيران لتنسحب من سورية هو نكتة، فلا هكذا تكون الضغوط ولا هكذا تكون التكتيكات والاستراتيجيات، إذ طالما بقيت أنظمة شمولية منفلتة تحكم هذين البلدين، ستبقى سياساتهما ثابتة، أن يلتمّ المتعوس على خائب الرجاء، ولا أمل يُرتجى ليُشترى من أي منهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close