هموم ثقافية

ضحايا الوهم ومتلازمة ستوكهولم

شغلتني محاولة فهم الآلية الذهنية المتعلقة بانفصال الشخص عن واقعه الراهن، الذي أدعي بدوري شدة وضوحه -في محاوره الرئيسة على الأقل- وبيان أسبابه البعيدة منها والقريبة بمعناها العام.

لماذا، وكيف تختلط ويصعب على هذا الإنسان إدراك قضاياه الجوهرية الأقرب ما تكون إلى البديهيات!؟ من حيث المبدأ، لا يمكن إلا أن يتوفّر تفسير مقنع لهذه الحالة الغريبة حد الاستفزاز.

كي لا أغرق في التفاصيل..

لم أتخيّل أن الإجابة عن سؤال بسيط، كما يبدو للوهلة الأولى، مثل: ما الذي يجعل شخصًا، تظهر عليه كل أركان النضوج الجسدي والنفسي، يَعتبر يقينًا خسارة منتخب بلده في كرة القدم تنطوي على مؤامرة تطال الفريق وتطاله وتطال وطنه ككل؟! يمكن أن تكون شاقة.

لا أدري كيف يمكن أن تسقط من حساباته الذهنية كل الأسباب الموضوعية الواضحة لتلك الخسارة، وأن يقفز دون تردد إلى نتيجة كهذه مُعلنة بكل ثقة وإيمان راسخ؟! لم أتخيّل صعوبة الإجابة عن هذا التساؤل… حتى حاولت.

بعد استبعاد كل أشكال النفاق، أو المصلحة المشتركة، أو الكسب المالي، أو الطموح السياسي أو الاجتماعي، أرى صاحب هذا اليقين صادقًا حقيقيًا في تبنيّه نظرية المؤامرة الشاملة على مقدساته.

بالمقابل، ما الذي يجعل شخصًا مضطهدًا على كافة الأصعدة، وفي كل جنبات حياته، ما إن تأتيه فرصة حقيقية نادرة للخلاص من مسببات اضطهاده وتعاسته، حتى يثب فيفترس أولًا بني جلدته من المقهورين المضطهدين أمثاله، ويطبّق عليهم كل أشكال القمع والتعسف والإلغاء، متلبسًا حد التماهي دور الطاغية المتسلط الذي ثار عليه؟!

هل للتحصيل العلمي أو الثقافي المعرفي دور في هذه الحالة؟! الجواب، بناء على التجربة العملية الملموسة في الواقع الاجتماعي السياسي السوري خصوصًا، منذ 2011 حتى الآن، هو بالتأكيد: لا.

فالغالبية العظمى ممن لا يملكون هذا التحصيل لم تخذلهم الرياضيات، في الوقت الذي سقطت المقدّمات المنطقية، وأُنكرت نتائجها الرياضية الحتميّة، فانتفى البناء المنطقي الطبيعي للمعادلة الصحيحة في أذهان كثر من أصحاب التحصيل العلمي أو الثقافي أو الاثنين معًا. الأمثلة كثيرة في هذا السياق. كما أن العكس صحيح، مثلما أرتنا هذه السنوات الثماني المنصرمة.

لمّا كان المنطق العقلي الرياضي شديد الإحكام يقف عاجزًا أمام تبرير وشرح هذه الظاهرة، كان لا بد من النظر والبحث في العامل النفسي الذاتي المُنتج لهذا السلوك.

ظهر مصطلح “متلازمة ستوكهولم” في سبعينيات القرن الماضي، عندما قام الباحث النفسي نيلز بيجيروت بنحت هذا المفهوم، مؤسسًا لهذه النظرية، مبررًا من خلالها المشاعر غير المنطقية، المتمثلة بتعاطف الضحية مع جلادها، ثم جاء الطبيب النفسي فرانغ أوشبيرغ ليطوّر هذا البناء، فيقول في محاولة لقراءة هذه الظاهرة وتوضيحها: “إن قيام المجرم ببعض الأعمال الطيبة، كتقديم الطعام أو الماء لضحيته مثلًا، من شأنه أن يحفّز عند الضحية شعورًا بالامتنان لمنحها الحياة، فترفض من خلال هذا الشعور القوي، أن يكون هذا الشخص هو من يعرّضها للخطر، ويتأصّل بداخلها شعور أنه هو الوحيد القادر على منحها الحياة”.

غفل الكثيرون من الذين اعتمدوا على “متلازمة ستوكهولم” في محاولاتهم لتفسير تلك العلاقة غير المنطقية بين الضحية وجلادها، على خلفية الحدث السوري، عن بعض الخصائص الرئيسية لهذه النظرية مثل: أنها تنتمي أساسًا إلى علم النفس الجنائي، أي أنها تفسر تلك العلاقة المرضيّة بين الطرفين، في حالة الجريمة الفردية الخاصة وليس العامة مستمرة الحدوث، التي تطال المجتمع بسواده الأعظم لفترة زمنية طويلة. من هنا يأتي تأكيد أوشبيرغ على ندرة حدوثها، وحصرها في إطار ردة الفعل السلوكي النفسي الخاص لبعض الضحايا إزاء جلاديهم، وبأنها (أعتقد هنا يكمن فارق مهم وحاسم) تأتي من جراء حدث فجائي صادم سريع غير متوقع، يُحدث رعبًا في نفس الضحية إلى حد إحساسها بالمشارفة على الموت.

توافق ظهور وتطور مصطلح “متلازمة ستوكهولم” مع صدور كتاب (التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور)، لمؤلفة الدكتور مصطفى حجازي (صدرت طبعته الأولى عام 1976) فأتى تحليل حجازي وتفسيره لهذه الظاهرة في كتابه هذا، شاملًا بين عوامل ومؤثرات الظروف الاجتماعية الموضوعية العامة، والظرف الفردي الذاتي الخاص، حيث رصَدها في أبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العميقة، متنقلًا عبر أبواب كتابه وفصوله وفقراته، بين الذاتي والموضوعي، برشاقة ومتانة وتسلسل منطقي مُحكم وجميل، يُسعِف عقل القارئ ويُنجِده لفهم الآلية الذهنية النفسية التي تصوغ تلك العلاقة الجدلية الغريبة الشائكة بين الضحيّة وجلادها.

يقول حجازي: “أقصى حالات التماهي بالمتسلط، تأخذ شكل الاستلاب العقائدي، أي بتمثّل واعتناق قيم النظام والانضباط والامتثال وطاعة الرؤساء، وهي القيم التي تصبّ في مصلحة المتسلط، فتعزز مواقفه وتصون مكتسباته، لذلك فهو لا يدّخر جهدًا في تدعيم هذه القيم وغرسها، بالترغيب والترهيب، على حد سواء… والواقع أن الإنسان المقهور في هذا النوع من التماهي، هو ضحية عملية غسل دماغ مزمنة، يقوم بها المتسلط… إنها حملة منظمة يُحاصَر بها الإنسان المقهور، من خلال وسائل الإعلام والدعاية والتربية المدرسية….”.

* اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق