سلايدرقضايا المجتمع

سورية.. يوميّات المهزلة التاريخية الكبرى

ثمة تقارير دولية عديدة ترصد، بداية كل عام، مجريات الوضع العالمي، منها الاقتصادي والتنموي، ومنها التعليمي والصحي، ومنها الحقوقي والقانوي ومستويات الرفاهية وغيرها، ومما لا شك فيه أن المنظمات الدولية لا تسعى لتوثيق المجالات الحيوية للإنسان في دول العالم فحسب، بل تقوم مجموعة من المؤسسات البحثية برصد مواقع التغيير في دول العالم، والأماكن القابلة للتطور والحياة والاستثمار فيها؛ وتبدو المعايير الدولية أكثر كشفًا، عندما تتناول الحالة الحقوقية بما يتعلق بحقوق الإنسان، والحالة المادية المتعلقة برفاهيته، وبالضرورة تتناول التعليم المولد لكليهما في الجذر.

تستمر “المؤامرة الكونية” على سورية، هكذا يحلو للنعامة أن تدفن رأسها في الرمل تجنبًا لخوفٍ ما، ورمل سورية هو واقعها الكارثي من كل الجهات، فسورية خارج التصنيف العالمي تعليميًا، وأكثر الدول فسادًا في العالم، ومن أكثر الدول انتهاكًا لحقوق الإنسان، وأكثرها خطرًا على الصحافيين؛ وليس هذا وحسب، بل في سورية أيضًا تبلغ مستويات الدخل القومي للأفراد الدرك الأدنى في السلم العالمي. وعلى الرغم من هذا؛ “ليس فيها أزمة غاز أو كهرباء أو محروقات”! هكذا يصرح وزراؤها ومجلس شعبها المنتخب -ديمقراطيًا- بأعلى درجات الديمقراطية والشفافية في العالم! لمَ لا “فالفساد والديمقراطية متسايران على جدول عمل عقلية المؤامرة الكونية على سورية التقدم والاشتراكية والحرية والوحدة العربية، وأكثر دول العالم تقدمًا في كل المجالات”.

في سورية، وما بقي منها ومن سكانها الأصليين بعد التهجير والتغير الديموغرافي المنهجي، تزداد حالات الانتحار ازديادًا كبيرًا، وتتزايد حالات الموت في أعمار مبكرة، بالجلطات والنوبات القلبية، وتزداد حالات التفكك الأسري وتكثر حالات الطلاق؛ “مش بدكم حرية… كَيفوا هاي الحرية اللي بدكم ياها….” يجيب مسؤول رفيع في البلد، وهو يقبض على مواطن يبيع ربطة الخبز بأعلى من سعرها التمويني! يا للهول هذا هو الفساد بعينه، مواطن يشتري الخبز ويبيعه للناس، مخالفًا التعاليم الحديثة للدولة العصرية! كيف لا، ومحاربة الفساد تبدأ من أنفسنا وبالقانون!

عجب عجاب هذه المسماة دولة! فقد ارتفعت الأسعار فيها ما لا يقل عن خمسة عشر ضعفًا، في أغلب المواد الرئيسية فيها: ليتر المازوت من 15 ليرة إلى 185، والمازوت الحكومي النظامي نادر الوفرة وسعره في السوق السوداء المنتشرة على عينك يا تاجر، في كل الطرقات، 450 ليرة! والغاز من 250 ليرة للجرة إلى 2650 في السوق النظامية، وأيضًا بلغت 5000 ليرة، كفائض محبة وامتنان من المواطن لمن يؤمنها له إياه، والبن من 250 ليرة إلى 3000، والرز والبرغل والسكر والمتة.. فكيف هي الخضار! عُدّ ولن تنتهي من العدّ. ولكن الموظف أيضًا زاد راتبه، من 15 ألف ليرة إلى 40 ألف وأكثر!… نعم لقد “زاد” من نحو 300 دولار شهريًا، إلى أقلّ من 80 دولارًا، بعد أن تتالى انخفاض سعر عملة البلد حوالي 11 مرة! ومع كل هذا؛ “البلد بخير”! وكل ما يشاع من أن هناك أزمات هو “مؤامرة” تدار من الخارج، ووزير البتروغاز في البلد يقف على الدور مثله مثل باقي المواطنين، ولا أزمة في البلد إلا في عقلنا المريض والموهن للشعور الوطني والقومي والنصر التاريخي على الإرهاب!

عجب عجاب هذه المسماة دولة تقدّم! فمعظم شبابها المتبقين فيها مطلوبون للخدمة الإجبارية والاحتياطية، لتحرير كل شبر فيها من رجس الإرهاب والإمبريالية العالمية! ومن لم يلتحق بها يفصل من عمله، وهذا حق دولة التقدم والاشتراكية والممانعة! فخلت المدارس والجامعات والمشافي من كفاءاتها، فنسبة 40 بالمئة من أطبائها قد رحلوا عنها بألف طريقة، ومع هذا لم يتدنّ المستوى التعليمي ولا الكادر الصحي! فليس غريبًا أبدًا أن تخرج جامعات سورية الحكومية من التصنيف العالمي، ويزداد الإقبال على الجامعات الخاصة فيها بأسعار خيالية.

ماذا تريدون، أيها الناقدون، من بلد الحرب لثماني أعوام متتالية! ماذا تريدون: “خبزًا مخبوزًا وماءً بالكوز”! حلولًا سحرية بعصا موسى أم بمصباح علاء الدين! فشركات الإعمار تنتظر أن تدخل أفواجًا إلى البلد، وعندئذٍ ستدور عجلة الاقتصاد المحلي، ويعود الوضع إلى ما كان عليه، فقط انتظروا نتائج قمة أستانا وسوتشي و “ما بعد بعد سوتشي” في الحل السياسي الروسي مركب الأبعاد للأزمة السورية! وليس ذلك وحسب، سيتم “نبش” الغاز من البحر، وسيضخ في خزينة الدولة، وسيصبح الدولار بخمسين ليرة كما كان! يجيب مواطن قبل أن تفقع مراراته: “عيش يا …. ليطلع الحشيش” ويكمل جاره شهقته الأخيرة، قبل أن تنفجر شرايين دماغه: مش قلكم رئيس مجلس الشعب “البلد بخير”! ولا نعلم أضحكَ الجميع أم بكوا.

في آخر التنقيبات عن الأثار السورية، بغية صيانتها من المهربين الأوغاد، بعد أن باعوا آثار تدمر وغيرها، يُروى أن تمثال الإله “غازيوس” اكتُشف كأقدم تمثال يدل على مدى عمق الغاز السوري وأصالته! والعجيب في الأمر أنه يحمل جرة غاز على رأسه، كما هي اليوم؛ والأكثر إعجازًا أنه يحضن الإلهة “كهرا بيوس” ملكة الجمال والنور، وهي تقوم بعمل شرارة الحياة الأولى، لكل من مات سحلًا أو نحرًا أو قتلًا أو فقعًا، بغية تعقيمه وترشيحه للحياة العليا بكل جمال وبهاء.. وما زال التنقيب مستمرًا عن هيكل الحل السياسي السوري “أستانيوس سوتشنيان” ويقال إن اسمه فينيقي مركب على لكنة شرقية مفعمة بالأبجدية الأم، فلا تعجب.

لا تعجب فهذه ليست نهفات، إنها سوريّات كل يوم، سوريّات المهزلة التاريخية الكبرى وموتها الفجيعة على بوابة القرن الواحد والعشرين، حين غدا “العالم كما هو” في كتاب بن رودس، مستشار الأمن القومي الأميركي الذي يذكر عن باراك أوباما، بعد صفقتي الكيمياوي السوري والنووي الإيراني: “تمت المهمة ولا أريد أن أسمع عن سورية بعد اليوم”… فكانت “سوريّات” مهزلة عالمية وكارثة بشرية وإنسانية لليوم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق