مقالات الرأي

حراك السودان لاستعادة الديمقراطية المهدورة

يُشكّل حراك السودان الحالي حلقة مهمّة، في نضالات الشعب السوداني من أجل استعادة الديمقراطية الموءودة، التي تعاون على هدرها الإسلاميون والعسكر بالتناوب حينًا، وبالتوافق أحيانًا.

ثلاث حقب ديمقراطية بعد الاستقلال انتهى كلّ منها بانقلاب عسكري، كان آخرها يوم 30 حزيران/ يونيو 1989، حين تحالف الإسلاميون بقيادة حسن الترابي، مع قائد اللواء “الثامن مشاة” عمر حسن البشير؛ لإسقاط حكومة الصادق المهدي المنتخبة، في أسوأ انقلاب عرفه تاريخ السودان، وإن جاء تحت مسمى ثورة “الإنقاذ الوطني”.

حكومة الإنقاذ التي جاء بها البشير منحته ثلاثة عقود سوداء، لممارسة الفساد والإفساد في السلطة، احتكر خلالها رئاستَي الدولة والحكومة عبر الدستور، حاملًا عصاه كأداة قمع، وبدلالتها الرمزية الأعمق لمجتمعات بدائية ورعوية، حيث يقود الراعي قطيعه أو رعيته إلى الكلأ، لكن البشير أخطأ السبيل وأفقر البلاد والعباد، مع أن السودان بلدٌ يعدّ الأغنى عربيًا، بثروته المائية وما يرتبط بها من زراعة وثروة حيوانية، إضافة إلى ثروته النفطية التي تخلى عنها مع جنوب السودان تاركًا إياهما لمصير مجهول من الفقر والاقتتال والنهب، وتهجير كفاءات علمية ومهنية متطورة، بالتزامن مع تدمير بنى ومؤسسات الدولة، حتى قاربت حدود الدولة الفاشلة، إذ إن عمليات الخصخصة والتحول النيوليبرالية العشوائية دمّرت مشاريع الإنتاج الزراعي والصناعي في السودان على نحو واسع، بالتوازي مع تهميش القوى السياسية والاجتماعية، واحتكار العمل النقابي والمهني، وتكميم الأفواه وتقليص الحريات العامة.

البشير مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية منذ عشر سنوات، لارتكابه جرائم حرب في دارفور، راح ضحيتها قرابة 300 ألف قتيل و2.5 مليون مشرد، وفق الإحصاءات الدولية، وخضع السودان لحصار اقتصادي ودبلوماسي قاس نتيجة رعايته للإرهاب، حيث استضاف أسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996، حين نقل بطائرة سودانية إلى أفغانستان، كما آوى اليساري الفنزويلي كارلوس المتهم بالعديد من عمليات الإرهاب في العالم، قادمًا من دمشق كوديعة لصالح الأسد الأب، قبل أن يضطر إلى تسليمه للمخابرات الفرنسية عام 1995. هذه السياسات الخارجية الرعناء أخضعت السودان لحصار اقتصادي ودبلوماسي فاقمَ مآسي السودانيين، لكن “القشة التي قصمت ظهر بعير البشير” جاءت عبر قرار حكومته رفع سعر الخبز ثلاثة أضعاف، وقد أدى ذلك إلى اندلاع موجة من الاحتجاجات الشبابية، في 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، اعتبرها البشير محقًا، وإن قصد التهكم، “محاولة لاستنساخ الربيع العربي”.

يجمع الحراكَ السوداني مع انتفاضات الربيع العربي كثيرٌ من المشتركات، سواء من حيث المطالب الشبابية سلميًا بالحرية والديمقراطية ودولة المواطنة، تحت شعار “أسقط بس”، مع إصرار على استمرار التظاهر على الرغم من المواجهات الدامية والمستمرة مع الأمن والميليشيات التي تعتقل وتقتل شباب الحراك، ومن تحسبهم من قياداته، أو من حيث “تجمع المهنيين السودانيين” الذي يقود هذا الحراك المطلبي والوطني، وهو الموازي الموضوعي لـ “لجان التنسيق المحلية” التي ظهرت في سورية، أو من حيث النظام المتشبث باستبداده والتغني بإنجازاته وإصلاحاته التي لم تجنِ غير الخراب والإفقار المتنامي، وإصراره على نعت المتظاهرين بـ “الخونة وعملاء الخارج وإسرائيل”!

لكن ما يميز الحراك السوداني من باقي الربيع العربي الموءود ليس نافلًا في الوقت ذاته، وأهم عناصر قوة الحراك السوداني تكمن في بنية وصلابة “تجمع المهنيين السودانيين”، الذي ظهر كاسم يجمع وينظم هذا الحراك، وانتشر في كامل الجغرافيا السودانية، وهو يستقطب حاليًا أغلب التجمعات المهنية المنفصلة في السودان، كأساتذة الجامعات والبيطريين والإعلاميين والصيادلة والمعلمين والمحامين، مع أنه لا يحظى -كتجمع- باعتراف شرعي من الحكومة، إلا أن المادة 40 من الدستور السوداني تنصّ على كفالة الحق لكل فرد “في حرية التنظيم مع آخرين، بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية أو الانضمام إليها، حمايةً لمصالحه”.

ربما يأتي تمييز “تجمع المهنيين” الذي لا يطمح للتحول إلى حزب سياسي، من خارجه، إن صح التعبير، حيث التفّت أغلب القوى السياسية السودانية حوله، بعكس مواقف بعض القوى السياسية السورية وقياداتها التي اعتبرت “لجان التنسيق المحلية” منافسًا لها، فهذه المرحلة تتطلب تحييد الهويات الحزبية المتناقضة والمتعددة، لصالح تنسيق عام وطني يتجاوز البنى الحزبية التي تكاثرت في السودان حتى بلغ عديدها ما يقارب مئة حزب وتجمع سياسي، وقد توافق 23 منها حتى الآن، مع “تجمع المهنيين”، حول “بيان الحرية والتغيير”، باعتباره وثيقة سياسية للانتقال الديمقراطي للسلطة في السودان، وبعض هذه الأحزاب والقوى السياسية انسحبت من البرلمان والحكومة لصالح هذا الحراك، آملين أن تحذوا الأحزاب الأخرى في هذا المنحى، لتزيد عزلة الحزب الحاكم الذي تتآكل شرعيته، وتعزز فرصة استعادة الهوية الوطنية والديمقراطية للسودان وللسودانيين، بصفتهم شعبًا جديرًا بالحياة والمشاركة في صنع مستقبله، أكثر منهم رعية يسوسها البشير بعصاه.

من باب الاستفادة من تجارب الربيع العربي، نؤكد أن قوة هذا الحراك السوداني تكمن في سلميته المتمثلة بالإضرابات المهنية والوقفات الاحتجاجية المطالبة برحيل النظام، وهي تتزايد يوميًا على الرغم من قمع القوى الأمنية وميليشيات النظام، إضافة إلى إعلان العصيان المدني ضد الحكومة، الذي أفشل عام 2016، لكنه يحبل اليوم بكثير من الإمكانات، مع إدراكنا أن النظام العربي الرسمي المرهق حاليًا، وربّما دول على الصعيد الإقليمي والدولي، لن تدعم حراك السودانيين ومطالبهم باتجاه الديمقراطية، إلا أن ذلك يمكن أن يُصبح نقطة قوة لهذا الحراك، كي لا يتشوه كما حصل في دول الربيع العربي، وبخاصة في سورية، فتلك الدول لن تدعم إلا أجنداتها الخاصة، ولن تعمل إلا لتصفية حساباتها بعيدًا من مطالب السودانيين ومصالحهم.

وربما هذا ما يفسّر إهمال الإعلام عمومًا، والإعلام العربي خصوصًا، لاحتجاجات السودان، ولقوائم المعتقلين وأسماء المعتقلات والضحايا الذين ينتمي أغلبهم إلى صفوف التيارات الوطنية التي تشكل رافعة لاستعادة الديمقراطية في السودان!

هل هي مصادفة أن نظام البشير وقّع، قبل أسبوع واحد من بدء الاحتجاجات، مع ستّ دول هي السعودية ومصر وجيبوتي واليمن والصومال والأردن، اتفاقًا لتأسيس “كيان البحر الأحمر” الذي يهدف إلى تعزيز الأمن أولًا، ثم الاستثمار والتنمية في الدول المشاطئة للبحر الأحمر؟ والسؤال: ماذا يمكن لنظام البشير الراعي للإرهاب، والمطلوب للجنائية الدولية، أن يقدم لهذه الدول على صعيد الأمن أو على صعيد الاستثمار؟! وكيف تلتقي مصر التي تحارب الإسلاميين في سيناء، مع نظام البشير الذي يستقوي بميليشياته المعروفة باسم “عناصر الحماية الشعبية” التي يهدد نائب الرئيس السابق علي عثمان طه بإنزالها إلى الشارع؛ فالإسلاميون لن يقبلوا بتسلم السلطة حتى لو قبل البشير بذلك، علمًا بأن علي عثمان طه لم يتورع عام 1999 عن إقصاء زعيمه حسن الترابي!

“عناصر الحماية الشعبية” هي ميليشيا إسلامية غير قانونية، تموّلها دولة أفقرت شعبها لتقوم بحماية النظام، وفي سجلها أكثر من 250 عملية قنص في انتفاضة 2013 الموءودة، فيما يتحدث كثيرون عن مسؤوليتها راهنًا، بخصوص 45 حالة قنص لشباب الحراك وقادته.

فالبشير الذي يخاف إنزال الجيش إلى الشارع، خشية أن يغدر به قادة المؤسسة العسكرية، كما غدروا بالنميري من قبله، يستسلم لتلك الميليشيا الإسلامية، وهو يتهم مندسين بعمليات القنص، لكنه سيكتشف -عاجلًا أو آجلًا- أن عثمان طه الذي يدير تلك الميليشيا الإسلامية هو من سيغدر به، كما غدر الترابي من قبله بحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close