تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

من مجزرة حماة 1982 إلى مجزرة سورية المفتوحة

ثمة خيط متصل في سلسلة المجازر التي شهدتها سورية، وكانت حماة الضحية الشاهدَ والدرس والمنعطف. نهج متواصل ونتاج ذهن أقلوي مشبع بالاستبداد والدموية، واستخدام القتل المعمم سبيلًا للتعامل مع الشعب، ولديمومة الحكم المفروض.

الأقلوية هنا ليست سياسية وحسب، بل كشفت عن عمق آخر مغطّى بالشعارات الكاذبة، يتلطّى تحت يافطات العروبة والتقدّم والممانعة، وهو في جوهره فئوي يتغدّى من خزين تراكمي طالما وُظفت فيه قصة المظلومية، والتخويف من الآخر (الأكثري) للقيام بمذبحة شاملة، كان الناس العاديون من أبناء مدينة حماة ضحاياها، وكذلك المدينة بأبنيتها ومساجدها وكنائسها وآثارها التاريخية، بل رمزيتها كقلعة وطنية، طالما ظلّت في مقدمة مدن سورية التي قاومت المحتل الأجنبي، وأسهمت في مرحلة الاستقلال، وتعميق الخط الوطني، وقيام الوحدة السورية المصرية.

ليس المجال مناسبًا هنا لمناقشة طبيعة الصراع – الصدام الذي وقع بين النظام و”الحركة الدينية” وعنوان “الطليعة المقاتلة”، وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، وتلك البلبلة التي حدثت عن موقف الجماعة من العمل المسلح، ولا القبول ببعض الممارسات الطائفية التي مارستها، ومنحت النظامَ الذريعة للمضي بعيدًا في سياسة الإبادة والتدمير الشامل.

المعروف أن النظام السوري مارس التكتيك في بداياته مع الحركات الدينية، لاستمالتها إلى جانبه في مشوار من الغزل الذي لم يثمر كثيرًا، ولم يستمر طويلًا، خاصة بعد صفقته الشهيرة مع الإدارة الأميركية، بضوء أخضر إسرائيلي، للدخول إلى لبنان بهدف ضرب الثورة الفلسطينية المتحالفة مع الحركة الوطنية اللبنانية، والتي كشفت، للعلن، ذلك الوجه المخفي للنظام، والمنعرج الخطير في مسار التعامل مع القضية الفلسطينية التي كانت سورية الحاضن الأكبر لها، وبدء بعض عمليات الاغتيال لعدد من رموز النظام، وتتويج ذلك في حادثة “مدرسة المدفعية” المدانة من قبل شتى أطراف الحركة الوطنية المعارضة، لأنها كانت فعلًا طائفيًا منَح النظام أوراقًا وذرائع لتنصيب نفسه حامي حمى الطائفة العلوية، ونجاحه إلى حدود كبيرة في تجنيد فئات واسعة منها في خندقه.

في الثاني من شباط/ فبراير 1982 تمكنت مجموعات مسلحة تابعة للطليعة المقاتلة من السيطرة على معظم مدينة حماة، وإعلان الثورة فيها، على أمل أن تلتحق بها المدن السورية الأخرى. وتحدّثت الأرقام عن وجود ما لا يزيد عن 700 مقاتل، وقد تعاطف عديد المواطنين معهم، ليس من منطلق تأييد خطهم وسياساتهم، بقدر ما كان انفجارًا لخزينهم المحقون، وموقفهم المعادي لنظام مستبد ظالم وفئوي. الحقيقة التي كان يجمع عليها جميع من يعرف طبيعة ما يجري أن النظام كان يمكن له أن يستوعب الوضع، ويتعامل مع المسلحين بوسائل لا تعرّض المدينة، ولا حياة المواطنين لتلك المذبحة، والإبادة. وبدلًا من ذلك كان قرار النظام تدمير المدينة على رؤوس ساكنيها، والقيام بمذبحة شاملة، فزجّ بعديد الألوية والوحدات الخاصة وسرايا الدفاع، والطيران والمدفعية الثقيلة لتدمير المدينة، بينما نجح معظم المسلحين في الخروج منها، ولم يبق سوى السكان المدنيون يواجهون الموت الجماعي في القصف وتحت الأنقاض، ومواصلة نهج الإبادة بعد السيطرة على المدينة باستباحتها تمامًا، والقيام بعدد من المجازر الجماعية في الملعب البلدي، والملاجئ، وعدد من الأماكن التي جمّع فيها المواطنين وقام بإعدامهم.

استمرت تلك الحرب 27 يومًا، قُتل فيها أكثر من ثلاثين ألفًا من أبناء المدينة (بعض الأرقام تشير إلى مقتل أكثر من 40 ألفًا)، ودمر نحو 75 بالمئة من أحياء المدينة، و63 مسجدًا و4 كنائس، وأحياء تاريخية قديمة بالكامل.

من النتائج الكبيرة لتلك المجزرة تلقين الشعب السوري، في كافة مدنه ومناطقه، درسًا بليغًا في العنف والتعامل مع كل من يقول لا، أو يحاول معارضة النظام، وتكريس عملية الإخضاع الشمولي للمواطنين، وتعميم أجواء الخوف، والابتعاد من الاهتمام بالشأن العام، مقابل نمو ظاهرات النفاق والارتزاق وإضعاف الحركات المعارضة خاصة تلك التي لا علاقة لها بالحركة الدينية التي حاولت عبر “التجمع الوطني الديمقراطي” طرح برنامج التغيير الجذري وإقامة النظام الديمقراطي، واستقرار النظام، وتسيّده على البلد والشعب.

سنقرأ بعض دروس حماة في تقديرات النظام والوريث المفروض لبدايات الثورة السورية التي انطلقت كحركة شعبية سلمية، تطالب بعدد من الإصلاحات الطبيعية، حيث استقرّ في رأس الحاكم وأجهزة الأمن الأخطبوطية أن الشعب السوري أُخضع تمامًا، ولن يتجرّأ على الانتفاض. وأن تلك الحركات التي بدأت في دمشق ثم في درعا وبقية المدن السورية لا تمثل شيئًا، وما هي سوى فقاعة يقوم بها بعض المندسّين والحاقدين، وأن القوة وحدها هي الردّ، وهي التي ستقضي عليها في بضعة ايام، وتعود الأوضاع لما كانت عليه.

ردّ النظام بمواجهة التظاهرات بالرصاص، ومقتل الطفل حمزة الخطيب، وذلك العنف الشرس لم يكن عفويًا بل هو نتاج تلك التركيبة، ونهجها وأقلويتها وخوفها من أن أي قبول بأي إجراءات إصلاحية ستكون بداية النهاية، فكان القرار بشنّ حرب الإبادة ضد الشعب السوري ومدنه وتكريس المأساة السورية بكل تشعباتها.

هذه هي الحقيقة الصارخة التي يتحمّل فيها النظام المسؤولية الأولى عن كل التبعات اللاحقة، وعن فتح جميع الأبواب لإغراق الثورة في عمليات التسويه، والحرب المذهبية، وفي إدخال تنظيمات الإرهاب، والميليشيات الطائفية، وتدخل الدول جميعها وصولًا إلى تدويل القضية السورية، وإلى استقدام المحتلين الإيرانيين والروس، وعديد الدول التي تتصارع، وتتنافس في بلادنا، وتهدد الوحدة الوطنية، والجغرافيا بكل المخاطر.

حماة متواصلة عبر استمرار النهج الذي مارس المجزرة الجماعية، وبطريقة أكثر بؤسًا من خلال طبيعة الوريث وتحالفاته، واعتماده على إيران، والروس، هو الذي كان مصرًّا على وصف الثورة بأنها مجرد فتنة ومؤامرة، ومجموعات من المندسّين.

ستبقى حماة الرمز، وحماة الشهيدة وثيقة غير قابلة للموت، في طليعة الحقائق التي تدلل على الطبيعة الإجرامية للنظام، ضمن ملف الجرائم ضد الإنسانية، التي تتوفر فيها كافة الشروط لتحويل المسؤولين عنها، وعن بقية الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري إلى محكمة الجنايات الدولية. طال الزمن أم قصر.

(*) الصورة من مجزرة حماة 1982.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق