مقالات الرأي

خطر “الأنا” على استمرار الثورة السورية

قبل أن تندلع الثورة السورية عام 2011، كان الأمل معقودًا على القوى والتجمعات السياسية السورية المعارضة للنظام الاستبدادي في دمشق. وبعد انطلاقة الثورة؛ اكتشفنا أشياء كثيرة كانت مخبأة أو غير متوقعة قبلًا.

عرفنا أهم النقاط التي كانت الثورة بحاجة إليها، ومنها:

  • – ضرورة وجود جسم سياسي وطني بقيادة ثورية مستقلة مكونة أساسًا من الشباب، بعيدًا من الأيديولوجيا والأجندات الحزبية الضيقة، مع الاستفادة من الخبرات السياسية الوطنية.
  • – ضرورة وضع استراتيجية عمل شاملة في مجال التعامل مع النظام سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا واجتماعيًا.
  • – ضرورة وضع رؤية وطنية واضحة لمخاطبة الشعب السوري، وإيصال رسالة بأن الثورة هي ثورة الشعب ولا وصاية عليها من أحد، كما جرى من قبل هياكل المعارضة (المجلس الوطني – الائتلاف – هيئة التفاوض – هيئة التنسيق وغيرها).
  • – لم يُتخذ موقف سياسي واضح، في حينه، عن المنظمات الإرهابية مثل (داعش) و(جبهة النصرة)، وهذا ما جلب لقوى الثورة انتقادات حادة، وأبعد جزءًا من فئات الشعب عنها خوفًا من قوى التطرف. وكان يجب توضيح موقف الثورة من تصرفات الفصائل الإسلامية المسلحة وشعاراتها التي تتناقض مع شعارات الثورة.
  • – وضع خطة شاملة للتعامل مع القوى الإقليمية والدولية باستقطاب خبراء سوريين، والاستعانة باستشارات خبراء عرب وأجانب لفهم حقيقة السياسات العالمية، وبناء مواقف على أساسها.
  • – الشفافية والديمقراطية والعمل الجماعي، وليس العمل وكأننا في شركة تعمل الإدارة بسريّة، من دون أن يعرف السوريون ماذا يجري وكيف يجري (مثال الفساد المالي السياسي في الائتلاف، وصمت أعضاء الائتلاف عن ذلك، الذين يجب محاسبتهم على مشاركتهم في ذلك الفساد أو السكوت عنه).
  • – إشراك السوريين في الجاليات في كل أنحاء العالم، في عملية دعم الثورة والمشاركة في تحديد اتجاهات العمل السياسي والإعلامي، ولكن ذلك لم يحدث بسبب أنانية قيادات المعارضة وانفرادها بالقرار بعيدًا من أعين السوريين.
  • – أدركنا اليوم بأنه لا يوجد أصدقاء حقيقيين للشعب السوري. فالأنظمة العربية تضطهد شعوبها ولا همّ لها أكبر من الحفاظ على السلطة والثروة، أما الشعوب العربية فمغلوبة على أمرها حتى اليوم، وكلما أرادت أن تتحرر؛ اجتمع عليها العالم كله وقمعها.
  • – وصلنا إلى قناعة بأننا يجب أن نعود إلى الشعب السوري، ونستمع إلى أفكاره وما ينبض به الشارع السوري ومطالب الناس وطموحاتها، لا أن نردد شعارات بعيدًا من واقع سورية وشعبها. وأقصد هنا لطالما رددنا شعارات محاربة الطائفية وبعض السياسيين لا يخفي طائفيته، أو نحارب جرائم النظام وأجهزته الأمنية وشبيحته وهناك فصائل محسوبة على المعارضة ارتكبت جرائم أيضًا بحق السوريين وسكتنا عنهم. وحاليًا لم يعد لدينا أي مخرج سوى استلام المبادرة كاملة، من قبل السوريين الوطنيين المؤمنين بشعارات الثورة وحتمية تغيير نظام الطاغية في دمشق كشرط أساسي لبناء سورية عصرية مدنية ديمقراطية تعددية.
  • – مع معرفتنا بأن شعبنا منهك ومهجر وجائع ومشرد، ويفتقر إلى أبسط شروط الأمان والعيش الإنساني، فالمسؤولية الكبيرة تقع على النخب الوطنية المرتاحة نسبيًا بأن تقدم نموذجًا لحراك وطني حقيقي مستقل عن الإرادات الخارجية.

وهنا أصل إلى بيت القصيد: بعد أن اتضحت الحقائق، وعرفنا صديقَنا من عدونا، لم يبق إلا أن نبلور جهودنا على مستويات وطنية شيئًا فشيئًا، لنصل إلى تجمع وطني شامل وقيادة وطنية ثورية تتابع مسيرة الشعب السوري، وتبقى أمينة ووفية لدماء مليون شهيد من أجل الحرية والكرامة.

لا توجد مشكلة لدى الأحرار السوريين في الاتفاق على المبادئ الأساسية للعمل الوطني القادم؛ فهناك مبادئ وثوابت تبلورت ويجتمع عليها كل السوريين الأحرار. ولكن هناك مشكلة في توحيد الجهود والانطلاق إلى خطوات عملية، تقف أمام العمل الوطني اليوم وتعود جذورها إلى سنوات مضت:

  • – هناك من يريد أن يضع العصي في أي دولاب يتقدم، من خلال تمييع العمل السياسي وتبديد الوقت والسعي دائمًا لإدخالنا في متاهات وأنفاق لها بداية وليس لها نهاية من حوارات بيزنطية، ومن تشكيل لجان ومن خلال الانتظار لكي تنضج الأمور، ومن خلال توحيد الرؤى وضرورة فرض نقاط معينة في أي عمل جماعي، وكأننا استلمنا السلطة ونحن بصدد تشكيل حكومة وطنية ووضع برنامج عمل لها.
  • – نريد إقامة تحالفات تتوافق على محاور مشتركة تناسب كل مرحلة، فلكل مرحلة قواها التي يمكن أن تتفق ولها شعاراتها المناسبة. فلماذا يجب أن نقفز فوق واقعنا ونُنَصّب أنفسنا أوصياء على الشعب السوري ونقرر مصيره، قبل قدوم هذه المرحلة. وخاصة القضايا المتعلقة بالدستور.
  • – نحن اليوم نفكر في قضايا ملحة مثل متابعة الوضع السياسي الراهن وضرورة أن نتخذ موقفًا نساعد فيه السوريين على فهم ما يجري خلف الأبواب المغلقة حول تقرير مصير سورية.
  • – نفكر في اتخاذ خطوات عملية والتواصل مع الداخل السوري، وخاصة فئات الشباب والذين ما زالت لديهم الهمة بالعمل الوطني.
  • – نفكر كيف نصوغ خطة إعلامية وطنية حقيقية تركز على ما هو أساسي ووطني في ظروف سياسية معقدة.
  • – نفكر كيف نتواصل مع القوى الإقليمية والدولية، ونوصل إليها مطالبنا على ضوء الأحداث الجارية، وأن نقيم تحالفات معينة من دون المساس باستقلال قرارنا الوطني.
  • – نفكر في تأسيس مركز خبرات من فئة متميزة من السوريين ذوي القدرات الناضجة، لصياغة تقييم موقف سياسي والاجتهاد بتوضيح حقيقة ما يجري ومحاولة التنبؤ بما سيجري، وفق المعطيات وحسب الإمكانيات.

لكننا دائمًا نصطدم في عملنا بشرٍّ غير معلن هو “الأنا” البشرية، وقد تكون السورية أو “الأنانية” السورية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات التي لديها أجندات خاصة بخلفيات فوق الوطنية أو تحت الوطنية، ويحاولون باستخدام شعارات وطنية إجهاض العمل الوطني لخدمة أجنداتهم الخاصة.

هذه “الأنا” السورية من أسوأ ما نقابله اليوم، في حراكنا من أجل بلورة تيار وطني مستقل. لكننا إذا تذكرنا أن مئات الألوف من الشباب قدّموا أغلى ما عندهم -أرواحهم- من أجل حرية شعبنا؛ وجدنا أنهم لم يفكروا بأنانية ولم يتشبثوا بأجندة خاصة، أما اليوم فنحن مصابون بمرض الأنانية الفردية والسياسية، وكأن لسان حالنا يقول: “إما أن تقبلوا بشروطي أو لا ألعب معكم”. نعم إن البعض يتعامل مع الوضع وكأنه لعبة، فمن يكسب أكثر!!

لك الله، يا شعب سورية الجريح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق