أدب وفنون

الثقافة والفن من الصلابة إلى السيولة

ضمن مشروع ترجمة كتب عالم الاجتماع والفيلسوف البولندي زيجمونت باومان 1925 – 2017، الذي رحل عنا العام الماضي، قدمت الشبكة العربية للأبحاث والنشر الكتاب الجديد من ترجمة حجاج أبو جبر، بعنوان (الثقافة السائلة). في هذا الكتاب الجديد يوسع باومان في أطروحته مفهوم (السيولة) ليطبقه على مفهوم “الثقافة”.

يوضح المترجم حجاج أبو جبر، في مقدمته للكتاب، أن (“الثقافة الصلبة” أكدت على فصل الدين عن الدولة، ووضعت الدولة/ الأمة في مركز الوجود، وأكدت مركزية الإنسان في صنع هذا الوجود، وآمنت بأن الحضارة هي نتاج المادة والروح والفعل والتفكير والإنتاج، وهي دين بديل يؤمن بتضحية الإنسان، لا في سبيل الله، بل في سبيل تقدم العلم وبسط سلطان العقل على عناصر الطبيعة الجامحة، وهكذا قامت “الثقافة الصلبة” عند طه حسين، على سردية التقدم الذي يتحقق بمركزية الدولة، والإنسان المنتج، والتعليم المدني الخالص الذي يجمع بين العلوم التجريبية والأدبية).

ويرى أبو جبر أن الإيمان الراسخ بمشروع التنوير الثقافي مرّ بتحولات مهمة، خلال العقود الماضية التي شهدت ظهور العولمة، التمركز حول السوق والنزعة الإستهلاكية، وانتشار النزعة الفردية، وانسحاب الدولة من أدوراها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وهو ما مهد الطريق لانتقال الثقافة من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، كما انتقلت إلى عالم السلع الاستهلاكية، فانسحبت الدولة من دعمها للثقافة والإرشاد القومي، وبدلًا من الدعم صارت عائقًا أمام الثقافة الحقيقية، حيث اقتصر اهتمامها على توظيف الثقافة والإعلام في تزييف الوعي وتبرير احتكار وسائل القهر والعنف، وشيطنة الحركات الاحتجاجية، التقدمية والمحافظة على السواء.

استنادًا إلى النتائج التي توصل إليها فريق من 13 باحثًا، تحت إدارة عالم الاجتماع المرموق بجامعة أكسفورد جون جولدثروب، جرت الأبحاث في كل من بريطانيا وشيلي والمجر و”إسرائيل” وهولندا، اتضح أنه لم يعد من الممكن تمييز النخبة الثقافية بسهولة من غيرها في السلم الثقافي، وفق السمات القديمة: الحضور المنتظم للأوبرا، والحفلات الموسيقية، والحماسة لكل فن راق، والتأفف من كل ما هو شائع، مثل أغاني البوب أو التلفزيون السائدة.

أما ريتشارد بيترسون فقد لخص فحوى عشرين عامًا من البحث في هذا الموضوع، قائلًا: (إننا نرى تحولًا في السياسة الجماعية النخبوية من أصحاب الثقافة الرفيعة الذين يحتقرون -بغرور- كل الثقافة الوضيعة أو السوقية أو الشعبية، إلى أصحاب الثقافة الرفيعة الذين يستهلكون في شره نطاقًا واسعًا من الأشكال الفنية الشعبية والراقية).

يعتبر زيجمونت باومان أن هذه ليست هي مواجهة بين ذوق “رفيع”، ضد ذوق آخر “سوقي”، بل مواجهة بين التهام كل شيء والتهام شيء واحد، بين استعداد لاستهلاك كل شيء ضد انتقائية لا يعجبها شيء. فالنخبة الثقافية ما زالت حية وبصحة جيدة، بل هي اليوم أنشط وأكثر حماسة من أي وقت مضى، لكنها مهمومة جدًا بتعقب النجاحات الكبيرة وغيرها من الأحداث الثقافية، حتى إنها تعجز عن توفير الوقت اللازم لرسم طريقها أو هداية غيرها إليه.

“لا تشغل بالك، ولا تتعب نفسك بالاختيار، واستهلك المزيد”: هذا هو كل ما يمكن أن تقوله النخبة الثقافية للجمع الغفير المستهلك لشيء واحد في قاع السلم الثقافي.

لكن، كما قال بيير بورديو منذ بضعة عقود، عادةً ما كان كل عرض فني يخاطب طبقة اجتماعية معينة، أي طبقة بعينها، وكانت تقبله تلك الطبقة وحدها. ويرى بورديو أن الأثر الثلاثي لتلك العروض الفنية هو إظهار التعريف الطبقي، الفصل الطبقي، والانتماء الطبقي.

البحث عن الجمال كميزة طبقية:

ويرى بورديو أن الأعمال الفنية، بغرض الاستهلاك الجمالي، كانت تبرز الفروق الطبقية وتميزها وتحميها، وكانت ترسم الحدود بين الطبقات وتعززها. فكان لا بد من تصنيف الأعمال الفنية بأسرها أو على الأقل أغلبية معتبرة منها، في مجموعات جامعة مانعة لا تسمح باختلاط محتوياتها، ولا قبولها جميعًا في آن واحد، ولا حيازتها جميعًا في آن واحد أيضًا، وذلك من أجل التعيين الواضح للحدود بلا غموض وحمايتها بنجاح.

لقد أظهرت الثقافة نفسها بشكل مشابه لذلك الشكل الذي وصفه أوسكار وايلد، قبل قرن من الزمن: (إن من يجدون معاني جميلة في أشياء جميلة هم المثقفون.. إنهم الصفوة التي لا تعني لها الأشياء الجميلة إلا الجمال) “الصفوة”، النخبة المختارة، هم المتغنون بمجد القيم التي يعتنقونها، ويضمنون في الوقت نفسه الفوز في مسابقة الغناء. إنهم سيجدون حتمًا المعاني الجميلة في الجمال، ذلك لأنهم هم من يقررون ماهية الجمال. بل قبل البدء بالبحث عن الجمال، تنفرد الصفوة المختارة بتقرير مكان البحث عن الجمال؛ في الأوبرا، لا في قاعات الموسيقى الترفيهية، ولا أمام دكاكين السوق؛ في صالات العرض، لا على جدران المدينة ولا في المطبوعات الرخيصة التي تزين بيوت الفلاحين أو الطبقة العامل؛ في المجلدات المجلدة بالجلد الطبيعي، لا في مطبوعات الصحف ولا الإصدارات الرخيصة. فالصفوة المختارة ليست مختارة بسبب رؤيتها الثاقبة في ما هو جميل، بل لأن عبارة “هذا جميل” تمثل جملة تقريرية ملزمة، لأن الصفوة هي التي قالتها بأفواهها، وأكدتها بأفعالها.

اعتقد سيجموند فرويد أن المعرفة الجمالية تبحث بلا جدوى عن جوهر الجمال وطبيعة مصادره، عن صفاته الكامنة، وهي تميل إلى إخفاء جهلها في تيار من المقولات الرنانة الفارغة في نهاية المطاف: (ليس للجمال استخدام واضح، وليس له أي ضرورة ثقافية، ولكن الحضارة لا تستطيع أن تستغني عنه).

ولكن من جهة أخرى، هناك فوائد للجمال، كما يوحي ببير بورديو، هناك فوائد للجمال وحاجة إليه. ومع أن الفوائد ليست “مجردة ” كما يصفها كانط، فإنها فوائد على أي حال، وليست الحاجة ثقافية بالضرورة، فهي اجتماعية، والأرجح أن فائدة الجمال والحاجة إلى تمييز الجمال من القبح، والرهافة من السوقية، ستدومان ما بقيت الحاجة والرغبة في تمييز المجتمع الراقي من المجتمع المتدني، وجهابذة الذوق الرفيع من العوام والغوغاء والدهماء السوقيين منعدمي الذوق.

عند نشر بيير بورديو كتابه (Distinction التمييز)، قبل أكثر من ثلاثين عامًا؛ قلب هذا الكتاب مفهوم الثقافة الذي ولد في عصر التنوير رأسًا على عقب. كان معنى الثقافة، كما اكتشفه بورديو وعرفه ووثقه، بعيدًا من مفهوم الثقافة الذي ظهر في اللغة الشائعة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر، في آن واحد تقريبًا مع المفهوم الإنجليزي “Refinement” (التهذيب)، والمفهوم الألمانيBildung  (التعليم).

كان الغرض من “الثقافة” وفق مفهومها الأصلي أن تكون عاملًا للتغيير لا عاملًا للحفاظ على الوضع القائم، فكان المطلوب منها أن تكون وسيلة لقيادة التصور الإجتماعي نحو وضع إنساني عالمي. وقد عبر ماثيو آرنولد عن رأي حماسي، في كتابه المؤثر للغاية وعنوانه (الثقافة أو الفوضوية، 1869): “إن الثقافة تسعى للتخلص من الطبقات، ولنشر أفضل الفكر والمعرفة في العالم في كل مكان، ولتهيئة الناس جميعًا للعيش في جو من اللطف والحب”. وفي مقدمته لكتاب (الأدب والدوجماطيقا، 1873)، يذهب آرنولد إلى أن الثقافة هي مزج الأحلام والرغبات الإنسانية بكدح المستعدين والقادرين على تحقيق هذه الأحلام وإشباع هذه الرغبات: “الثقافة هي الشغف باللطف والحب، والأهم هو أنها الشغف بالعمل على سيادتهما”.

يرى باومان أن تبدل مكانة “الثقافة” في المجتمع، شكّل تحولًا للحداثة من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، فيكتب مؤلف الكتاب باومان: (استخدم هنا مصطلح “الحداثة السائلة” Liquid modernity للإشارة إلى الشكل الراهن للوضع الحديث الذي يصفه مؤلفون آخرون بأنه “ما بعد الحداثة”، أو “الحداثة المتأخرة”، Postmodernity، أو الحداثة الثانية Second modernity، أو الحداثة العليا Hypermodernity. إن ما يحول الحداثة من الحالة الصلبة إلى الحالة السائلة، ويبرر اختيارنا لهذه الصفة، هو التحديث الوسواسي القهري المكثف، الذي أفضى إلى عدم قدرة أي من أشكال الحياة الاجتماعية المثالية أن تحتفظ بشكلها زمنًا طويلًا، تمامًا مثل المواد السائلة).

يوضح المترجم حجاج أبو جبر أن مؤلف الكتاب (زيجمونت باومان) يبني تنظيره لمفهوم “الثقافة السائلة” على ميراث مدرسة فرانكفورت النقدية، ولا سيما كتابات تيودور أدورنو وشكوكه الدائمة في دوافع الدولة، عندما تبدي اهتمامًا بالفنون، ويتبدى ذلك في كتاب أدورنو بعنوان (جدل التنوير)، حيث أكد أن التاريخ يعلمنا أن ثمن البقاء هو تحويل الأفكار إلى أداة لبسط السيطرة والهيمنة. وقد تعرض باومان لهذه الفكرة في ثمانية كتب أخرى من سلسلة السيولة، صدرت جميعها عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، وهي: الحداثة السائلة، الحياة السائلة، الحب السائل، والأزمنة السائلة، والمراقبة السائلة، والخوف السائل، والشر السائل، والثقافة السائلة.

* الكتاب: الثقافة السائلة.

المؤلف: زيجمونت باومان.

ترجمة: حجاج أبو جبر.

الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close