تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

بوعزيزي.. ركب الحرية ماضٍ

تُرى هل يعلم البوعزيزي، طارق الطيب محمد البوعزيزي، أن النار التي أوقدها في نفسه قبل ثمانية أعوام، في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2010، تحولت إلى دائرة تتسع ولا تتوقف! هل يعلم أن ملايين الأشخاص قضوا بين مقتول أو معتقل أو مهجر! هل يعلم أن “فينيقه” الذي أوقد النور في ظلام استبدادنا تمدد في كل دول الجملوكيات (الجمهورية الملكية حسب وصف واسيني الأعرج في رواية رمل الماية) وأن سلطاتها لم تملّ من قتل أو تخوين أو تكفير أمثاله من المظلومين المضطهدين المقهورين، على امتداد مساحة تزيد على ثلاثمئة مليون من البشر، ما زالوا يدفعون إلى اليوم حياتهم قربان حرية وجود، حرية رأي، حرية كرامة إنسانية، حرية وطن استبيح من كل نوافذ وأبواب العهر المحلي والعالمي، من كل معابر الاستبداد المادي والديني والسياسي والعسكري عليهم، وفوقهم وبال وشذوذ وعهر لا يكل ولا يمل من شهوة قتل وسطوة جاه! بوعزيزي مات حرًا، وما زالت القافلة تمضي على الرغم من هول كوارثنا.

إذًا هي الحرية، مشعل النار واتقاد الفكر، هي مسار الروح في القدرة على الانفتاح والإبداع، هي قصة الإنسان الباحث، الصانع، الجابر، المفكر، المبدع، العامل، الفلاح حين يختار وجوده الحر في حيز الجماعة البشرية وبالضرورة الإنسانية. الحرية بوصفها جوهر العقل ومناط وجوده ومصدر أخلاقه وقيمه، هي تلك القافلة التي مضت، مع بدء الربيع العربي، في صحراء الاستبداد، تهدم أركانه وتُضعضع بناه المستقرة بالقوة من عقود طويلة، لتعلي من شأن الإنسان والعقل والقانون. الحرية ليست ذلك الشعار الأجوف الذي يردده إعلام السلطات، بل هي مبتغى الحياة ومصدر سعادة الإنسان، هي ذلك الفضاء الذي يتحرك به المواطن، الإنسان، الفرد، وفق مشروعية وجوده الأنطولوجية أولًا والثقافية ثانيًا، والمنضوية تحت راية القانون والمسؤولية الأخلاقية والمدنية، ضمن مظلة الوطن الواحد والموحد والمتنوع والغني بكل أطيافه ثالثًا.

الحرية هي القبول بالآخر، أيًا كان مشروعه، ضمن إطار الوطن واللحمة الوطنية مسيرًا بدفتي (الشرعية والدستورية) فتنفي لغة الإقصاء واغتصاب الرؤى والأفكار. من هنا بدأت، من عمق القهر، من قاع الاستبداد المتجذر في نفعية ضحلة “مملوكية” لا تشبه من التاريخ سوى مرحلة الشرذمة والقتل المجاني، في تاريخنا القابع في العصر المملوكي، بدأت من حيث إنها حاولت كسر هذا الجمود ومراحله المتتالية من القتل والهدر الإنساني، بدأت ولن تتوقف أبدًا، حتى وإن تأخرت أو تعثرت أو هُزمت في محطات، لكنها حفرت في العمق، في جذريتها، في أسطوريتها، في قدرتها على الصمود.

في ذلك اليوم، من كانون الأول عام 2010، استعر النجم الهائل في سماء الاستبداد الشرقي المهيمن على مقدرات الدولة الوطنية منذ حروب الاستقلال الوطني، في منتصف القرن العشرين الماضي. في ذلك اليوم انفجر نجم بوعزيزي التونسي معلنًا أن الياسمين التونسي والتوليب المصري لحظة انعطاف في تاريخ الحضارة الإنسانية عامة، ومسارُ تحولٍ في حاضر الوطن العربي وجمهورياته المتشكلة على أثر التحرر من زمن الانتداب والوصاية العسكرية الأوروبية منتصف القرن العشرين الماضي، وهو القابع اليوم تحت نير الاستبداد وهيمنة الدولة التسلطية بسماتها البوليسية/ الأمنية والسلطات الإقصائية والنظم الشمولية الدكتاتورية، فكان مسار هذا الزخم الثوري والحشود الشعبية التي ملأت الساحات والشوارع الذهاب تجاه الديمقراطية والمواطنة ومتلازمة السياسة والكرامة الإنسانية المتلخصة في مقولة حقوق الإنسان السياسية والفكرية والدينية أيضًا، وقد كانت عقدًا اجتماعيًا قيد التشكل! فهل أنجزت مهماتها؟ أم أن أمامها ردحًا طويلًا من الصعاب؟

الربيع العربي الذي بدأ بالإزهار منذ نهايات العام 2010 في دول المنطقة العربية، ينتابه اليوم صقيع سياسي وتعثر معرفي، بعد أن مرّ بخريف ثم بشتاء قارص، هو بالجذر “سوبرنوﭭا” (انفجار نجم هائل) واقعية تطرح تحديًا كبيرًا على كل الأيديولوجيات والنظريات النسقية السابقة والنخب الفكرية والسياسية، من حيث قدرتها على التقاط نفاثاتها وكمّاتها Quanta، المحدثة في الواقع السياسي والاجتماعي والمعرفي المحلي، كما ليشكل تحديًا على مستويات العالم الإنساني عامة.

قافلة الحرية تمضي واللاحقون بها تجتاحهم تيارات الكرامة الإنسانية، وحق تقرير المصير، وإعادة تشكيل عَقدهم الاجتماعي، وصياغة دستورهم، وانتخاب ممثليهم بمحض إرادتهم وتوافقهم، وبمختلف تلاوينهم الاجتماعية. فمنذ أن نالت دول المنطقة استقلالها السياسي، في منتصف القرن الماضي، استولت نظم العسكر على السلطة لتُجهز على طباع المرحلة المدنية، وتجتثّ الأفق السياسي منه منكلة بالطيف المعارض، ولتستحيل “الدولة” إلى نموذج من الاستبداد المنحل في هيئة طغمة سلطوية حاكمة مدعمة بأجهزة أمنية شديدة القبضة.

إن قافلة الحرية هذه استدعت كل أصناف وألوان القتل وآلة الدمار الوحشية لوقفها؛ في اليمن مدنٌ تُدمر ومجاعات وأطفال يموتون مجانًا، وما زالت الأمم المتحدة تبعث المندوبَ تلو الآخر لحل معضلة الحوثيين، وهم يجتاحون اليمن وثورته بعد أن استقرت بكل سلميتها في عامها الأول، لينقضوا على مفاتيح شرعيتها بقوة العسكر، وتبدأ حربها التي لن تنتهي إلا في بحر من الدماء والخراب.

في مصر، انقلب العسكر على ثورتَيها: ثورة يناير والحشود الضخمة الشعبية التي أسقطت حكم الفساد والعسكر، وثورة أخرى بعد عام، بحشود مليونية، أسقطت الحكم السياسي المتأسلم، لينقض العسكر من جديد على السلطة، ويصبح السيسي وكأنه وريث أمون في الحكم، لكن بصيغة تشبه الندرة في ميزان الرجال، فلا السيسي قائد ولا المصريين رعاع.

في ليبيا، يختصم الجميع مع الجميع، وتُباع ملايين البراميل من نفطه بسعر التكلفة. وبعيدًا من هذا وذاك، في سورية، لم تبق دولة في الأرض إلا تدخلت فيها -عسكريًا وسياسيًا- حتى بات المهجرون من سكانها الثلاث وعشرين مليون، حسب آخر قرار لمجلس النواب الأميركي، 14 مليون في الداخل والخارج…. يبدو وحدها تونس تعاند في عكس التيار، إذ نجحت في إرساء سلطة مدنية، فحيدت القتل من حاضرها وقد تنجح به مستقبلًا.

ركب الثورات العربية المتلاحقة قد ينحدر، قد يتشتت سياسيًا، وقد يصبح وبالًا لا ينتهي، لكنه حكمًا ضرب في القاع، في قاع التأخر التاريخي، في موروثه المستبد، في قعره المتشدد، هز كل أركان الاستقرار الوهمي للدول المصنعة على مزاج أفراد، لكنه حكمًا هو مفصل تاريخي عالمي، ليس لأنه في مواجهة الاستبداد الوطني فحسب، بل لأن وقوده الشباب، الشباب وقدرتهم على الإبداع والإنتاج الحضاري، الشباب وقد اتخذوا من حرية الإرادة فعلًا وقولًا لا يلين، وهم ماضون في كل ثوراتهم المبدعة لتغيير وجه العصر، بماديته وعنفه العسكري، ماضون نحو حرية الإنسان، وأصل الحضارة البشرية في كل مراحلها هو الإنسان الحر، وقد ملك ذاته وإمكاناته فأنتج وطنًا ولو بعد حين.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close