سلايدرقضايا المجتمع

جسر بنات يعقوب.. كنوز من تاريخ الجولان

يقع جسر بنات يعقوب على نهر الأردن، على بعد 1 كم جنوب بحيرة الحولة التي تم تجفيفها في الأعوام 1951  -1957، لتحولها “إسرائيل” إلى أرض زراعية تمتد على مساحة تبلغ نحو 14 كم2، فيما بلغت مساحة المستنقعات حولها نحو 60 كم 2.

يقول بعض الباحثين والمؤرخين إن التسمية تعود إلى سيدنا يعقوب، حيث تقول الروايات الدينية إنه عبَر نهر الأردن من هذه المنطقة برفقة بناته، وهم في طريقهم إلى زيارة خالهم “لابان” في شمال سورية، وعلى الرغم من اختلاف التفسيرات الدينية بين اليهودية والإسلامية والمسيحية، حول بنات النبي يعقوب، فإنها تتفق على أن النبي يعقوب قد عبر من هذه المنطقة، وبقى فيها ردحًا من الزمن، وبنى فيها خانًا أقام فيه صيفًا، أما شتاءً فقد بقي داخل مغارة في صفد، ما تزال موجودة حتى اليوم، وقد حوّلتها الحاخامية اليهودية في “إسرائيل” إلى كنيس ديني يهودي، لاعتقادهم أن هذه المغارة أقام فيها كهنة يهود قديمًا، وفي الجدار الشمالي منها أقام يعقوب مع بناته.

تتعدد الروايات والأساطير، حول بنات النبي يعقوب، فإحدى تلك الأساطير تقول إن ليعقوب ابنة وحيدة اسمها (دينا)، ورواية أخرى تقول إن له اثني عشر توءمًا من الأبناء والبنات، ولم يرد ذكرهن بسبب زواجهن، ورواية ثالثة تقول إن بنات يعقوب ثلاث، مررن مع أبيهن بعد سماعهن خبر افتراس الذئب لأخيهن يوسف، فعبرن الجسر إلى الأردن، وأقام يعقوب في منطقة الجسر خانًا له ولبناته وضيوفه.

شكّل الجسر أهمية كبيرة في التاريخ القديم، لكونه منطقة تصل بلاد الشام بمصر، ونشطت فيها حركة القوافل التجارية، وأطلق عليه العرب قديمًا اسم (معبر الأحزان) في إشارة إلى حزن يعقوب على ابنه يوسف، ويُستدلّ من الروايات التاريخية أنه في القرن 12 ميلادي، وقف عدة فرسان على معبر الجسر، ينتزعون ضريبة من المارة والقوافل التجارية، من أجل دير اسمه (دسر سنت جيمس) أُقيم في صفد، وكانت تعيش فيه راهبات، قبل وأثناء الغزو الصليبي للمنطقة.

وكون منطقة الجسر تتمتع بأهمية تجارية، ونشطت فيها حركة القوافل القادمة من مصر إلى بلاد الشام، فقد حازت اهتمام المؤرخين العرب والمستشرقين الأوروبين على حد سواء، وقد تمتعت منطقة الجسر بأهمية استراتيجية، منذ الكنعانيين والآراميين حيث أقاموا فيها المساكن، وما تزال بعض بقايا المدافن ومعاصر الزيتون والحفر الصخرية التي تسلط الأضواء على حضارتهم، قائمة حتى اليوم.

في أثناء الحروب الصليبية، في القرن الثاني عشر الميلادي، اختار الصليبيون مواقع خاصة لبناء قلاعهم، بالذات ممرات استراتجية ومعابر مهمة، ورأوا في منطقة (جسر بنات يعقوب) نقطة ضرورية؛ لكونها معبرًا تاريخيًا مهمًا، خاصة أن قوات المسلمين رابطت دائمًا على الحدود، وهددت سلامة المملكة الصليبية، وعندما أقدم الصليبيون على بناء قلعة (عترا) في محيط صفد وجبل كنعان؛ فاوضهم صلاح الدين، وعرض عليهم مبالغ طائلة ليتوقفوا عن ذلك، لكنهم لم يقبلوا العرض، وتم بناء القلعة عام 1178، وما زالت آثارها وبعض المباني منها ظاهرة إلى يومنا هذا، مثل بعض التحصينات وطاحونة القمح التي تعمل على مبدأ جريان الماء على سطح مائل، كما يوجد آثار سد من أجل رفع منسوب الماء قبل مروره بالطاحون، أما مكان الجسر الحالي فقد اختاره صلاح الدين الأيوبي لربط طرق القوافل القادمة من فلسطين إلى دمشق، ولتعزيز مكانة جيشه وعبوره، ثم قام بتجديده الملك الظاهر بيبرس. ويرجح البعض أن الجسر والخان المجاور له من الجهة الشرقية، أُعيد بناؤهما في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، أو جرى ترميمهما من جديد، ثم جُدد البناء في أواخر القرن السادس عشر، بسبب ضيق مجرى نهر الأردن في هذه المنطقة، لدخوله منطقة جبلية، وكان يُبنى كل مرة توافقًا مع حركة المياة وارتفاع منسوبها.

استحوذت منطقة بلاد الشام وجسر بنات يعقوب على اهتمام بعض المستشرقين، منهم الرحالة الألماني الدكتور أولريخ كاسبر سيتزن الذي زار الجولان في كانون الثاني/ يناير عام 1805 وبدأ رحلته إلى جبل الشيخ ومنابع الأردن وسائر مناطق الجولان، منتحلًا شخصية طبيب يدعى موسى الحكيم، وكان أول أوروبي، منذ الحروب الصليبية، يزور الأقاليم الواقعة شرقي بحيرة طبريا ووادي الأردن، ويصف جسر بنات يعقوب، ويقول: “الجسر بحالة جيدة جدًا، وهو عريض وله ثلاثة أقواس، ويُقدّر عرض النهر بـ 35 خطوة، مع أن الجسر أكبر منه بنصف هذه المسافة، وفي النهاية الغربية للجسر طاحونة ماء، يقع خان في الجهة المقابلة على الضفة العليا على بعد 100 خطوة من الجسر، والخان مشيد بأكمله من الحجارة البازلتية، لكن داخله يكاد أن يكون مهدمًا، وقد يكون هذا التهديم قد حصل من قبل الكتيبة الفرنسية التي أرسلها نابليون لمطاردة كتيبة عثمانية عام 1799 بعد غزو مصر، وفي الخان يلتقي سيتزن بعدد من جنود متسلم صفد الذي استأجر الجسر من باشا دمشق لتقاضي أجرة المرور، ويؤكد سيتزن أن هذا الخان قد بُني في عصور قديمة”.

تعرّض جسر بنات النبي يعقوب عام 1918 للتخريب، بعد أن فجّره الجيش العثماني المنسحب من فلسطين، لمنع الإنكليز من ملاحقته، وأعاد الإنكليز والفرنسيون بناءه، بعد اتفاقيات سايكس بيكو، وسيطرة الانتداب البريطاني والفرنسي على سورية وفلسطين.

وتعرض الجسر مرة أخرى للتفجير من قبل عصابات الهاغانا اليهودية، في 1946 للضغط على الإنكليز، لتسهيل هجرة اليهود إلى أرض فلسطين، وتُعرف أحداث التفجير بـ “ليلة الجسور” في التقاليد العسكرية الصهيونية، حيث تم تفجير الجسر و11 جسرًا آخر، داخل فلسطين من قبل العصابات اليهودية، وقام الإنكليز بإعادة بنائه. وقبل انسحاب الإنكليز من فلسطيبن، وتسليم فلسطين للحركة الصهيونية، قامت قوات الهاغانا مرة أخرى بتفجير الجسر في تاريخ 11/ 1/ 1948 لمنع دخول محاربين من الجيش السوري إلى فلسطين، وأعادت “إسرائيل” بناءه خلال محادثات الهدنة عام 1949.

قبل نكبة فلسطين عام 1948، كان الجسر عبارة عن مبنى تابع لمحطة قطار خط درعا، وما زال بعض الشيوخ من كبار السن في منطقة الجولان والجليل يحتفظون بجوازات سفر ووثائق تحمل الختم الفرنسي والبريطاني، مكتوب عليها (معبر بنات يعقوب). حيث كان الجسر الوحيد الذي يربط الجولان السوري بمناطق الجليل الفلسطيني. وكانت في الجهة الشرقية منه، محطة للشرطة الفرنسية، تحولت لاحقًا إلى محطة للجمرك، ما تزال تعرف حتى اليوم بمنطقة الجمرك.

في حرب حزيران/ يونيو 1967، اقتحمت الجسرَ قوة إسرائيلية، ودخلت منه الأراضي السورية في الجولان، وقام سلاح الهندسة الإسرائيلي ببناء جسر بالقرب من الجسر القديم، عُرف باسم “جسر بيلي”، لتسهيل حركة العبور واستمرت خدمة الجسرين (الجسر الشمالي والجسر الجنوبي) حتى عام 2007، حيث ألغت “إسرائيل” الجسر الحديدي الجنوبي، وأقامت جسرًا حديثًا مكانه من الباطون، وفي عام 2009 تم إغلاق الجسر الحديدي الشمالي، ليتحول جسر بنات النبي يعقوب إلى طريق رئيسة باتجاهين: من الجولان السوري المحتل وإليه.

في حرب تشرين عام 1973، استطاعت القوات السورية الوصول إلى الجسر بعد تحرير كفر نفاخ التي كانت مقرًا للقيادة العسكرية الإسرائيلية، وحاول الجنود السوريون اقتحام المناطق الفلسطينية عن طريق الجسر.

إلى الجنوب من الجسر اليوم، تقع مقبرة الأرقام الشهيرة، في منطقة عسكرية عند ملتقى حدود فلسطين وسورية، وهي تضم رفات مئات الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين الذين استشهدوا في حرب لبنان 1982، وعمليات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وليس فيها ما يدل على هويات ساكنيها سوى لوحات معدنية تحمل أرقامًا أكلها الصدأ، وقد تناثرت على جوانب القبور من دون فواصل بينها، وهناك سجّل المقاتلون العرب أروع ملاحم البطولة والفداء في مقاومة الاحتلال.

(*) مصدر الصورة 1912: hwww.discover-syria.com/photo

(*) موقع جسر بنات يعقوب على الإنترنت باللغة العبرية

http://www.yoaview.com

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close