تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

دلالات الغارات الإسرائيلية في سورية

استأنفت “إسرائيل” ضرباتها العسكرية في سورية، مساء أمس الاثنين، إذ قامت “طائرة مسيرة إسرائيلية بإطلاق أربعة صواريخ باتجاه مشفى القنيطرة، وإحدى النقاط التابعة لقوات حفظ النظام”، وقبل ذلك قامت طائرات إسرائيلية عشية 12 كانون الثاني/ يناير الماضي، بضربات جوية عنيفة، على مواقع في محيط العاصمة دمشق، وقد اعتبرها الناطق الرسمي باسم الكيان الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أنها حققت “نصرًا استراتيجيًا لإسرائيل على إيران”، مشيرًا إلى أن الغارات استهدفت مراكز لفيلق القدس الإيراني ومواقع استخبارات ومركز تدريب ومخازن أسلحة، في محيط العاصمة دمشق. واللافت أن تلك الضربات جاءت بعد أيام قليلة من اجتماع جرى، بين ضباط إسرائيليين وخبراء روس، نتج عنه تفاهمات جديدة في ما يخص قواعد الاشتباك التي تم وضعها مع موسكو في 2015؛ ما يعني أن موسكو وتل أبيب وضعتا نهاية كاملة للخلافات السابقة التي نتجت على خلفية إسقاط الطائرة (إيل يوشن-20) في أيلول/ سبتمبر العام الفائت.

جاءت الغارات كذلك بعد إعلان ترامب قرار الانسحاب من سورية، وتأكيد تل أبيب على استمرار استراتيجيتها في سورية، عبر فرض قواعد جديدة لإجبار الطرف الآخر على احترامها، على رأسها حماية جبهتها الشمالية الشرقية في الساحتين السورية واللبنانية، ومنع تواصل طهران مع “حزب الله” مرورًا من سورية ومحاولتها تزويده بالأسلحة الذكية وأساليب التطوير التكنولوجي للصواريخ، إضافة إلى رغبة تل أبيب في المحافظة على سياسية الاحتواء والسيطرة وعدم فقدانها، ولا سيّما بعد محاولة إيران زج المئات من الميليشيات في جنوب العاصمة دمشق، بعد سيطرة النظام السوري على مدينة درعا ومعبر نصيب، وتجنيدها العديد من المجندين السوريين تحت غطاء الحملات التبشيرية المذهبية للأيديولوجيا الشيعية.

شكلت الضربات الأخيرة نوعًا من تطوير استراتيجية إسرائيلية مختلفة عن سابقاتها، فمنذ أن بدأت غاراتها في سورية بداية 2013 اتبعت أسلوب الاستهداف غير المباشر، واكتفت بإرسال رسائل تدلل على منعها أي تهديد على كامل حدودها المشتركة مع سورية، وكانت قد جعلت من جبهة الجولان الاستراتيجية سدًا منيعًا لأي تهديد في مناطق التماس المباشر المشمولة في اتفاق 1974، وبعد انتشار أخطبوطي لآلاف المرتزقة الإيرانيين وآخرين تابعين لـ “حزب الله”، رفعت من وتيرة الضربات منذ 2015 حتى العاشر من شباط/ فبراير 2018 حيث كان استهداف “إسرائيل” الأكبر لداخل سورية، واستطاعت تدمير بنك أهداف متكامل للنفوذ الإيراني في جنوب سورية وحلب وحماة، بذريعة اختراق طائرة إيرانية بدون طيار مجال الجو الإسرائيلي في هضبة الجولان، وقد مثل إسقاط النظام السوري طائرة إسرائيلية، في 9 من نيسان/ أبريل 2018 ذريعة إسرائيلية على استنزاف طاقات النظام في منظومة الدفاع الجوي، فلم يسبق للنظام السوري أن تجرأ على إسقاط طائرة إسرائيلية منذ حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، الأمر الذي حقق لـ “إسرائيل” مكاسب عسكرية في تفكيك قدرات النظام الكيمياوية والصاروخية، وكل ذلك حدث عبر تنسيق متواصل بين موسكو وتل أبيب، وعلى الرغم من أن الأخيرة أعطت النظام منظومة (إس 300) فإنها جاءت في إطار استراتيجي لروسيا، بهدف تعزيز عامل الحماية عن مناطقها في الساحل السوري ودليل ذلك عدم استخدامها في صد الغارات الأخيرة، بل إن موسكو كشفت عبر وزارة الدفاع -لأول مرة- عن خسائر النظام السوري، بمقتل 4 جنود وإصابة 16 آخرين. ويفهم من ذلك أن “إسرائيل” تعمل على إنشاء علاقة تشاركية بين حليفتها موسكو من طرف، وواشنطن من طرف آخر، بهدف مواجهة السياسية التوسعية لإيران، وعلى الرغم من أن طهران ابتعدت من حدود “إسرائيل” في اتفاق الجنوب 2017 بمسافة 80 كم فإن ذلك لم يعد كافيًا من وجهة “إسرائيل” بعد كشفها ممارسات إيران في استمرار سياسة الحشد والتعبئة البرية، واستبدال اللباس الإيراني بلباس مماثل لقوات النظام.

وبالعودة إلى الغارات الإسرائيلية، فقد كشفت تلك الغارات عن حجم الانسجام الكامل مع توجهات واشنطن الرامية لقطع أذرع إيران من طهران إلى لبنان، مرورًا من سورية، وإن كان ذلك لا يزال محصورًا في الإطار النظري، إلا أن “إسرائيل” استطاعت التأثير في قرار ترامب الانسحاب من سورية، وأفرغته من مضمونه بما يخدم تطلعاتها في المنطقة، وقد حملت زيارة جون بولتون، أواخر يناير قبل وصوله إلى تركيا، رسائل طمأنة لحكومة تل أبيب في حماية أمنها القومي، كذلك استطاعت تل أبيب مؤخرًا استمالة العديد من الدول العربية المناهضة للتوسع الإيراني في المنطقة، من خلال مسار التطبيع واقتسام نظرية العداء الإيراني معها. بهدف بلورة استراتيجية تكاملية يساهم فيها الجميع بأوراق ضغط سياسية واقتصادية على إيران، لردعها عن سلوكها الخارجي، وهنا بهذه النقطة يجب التنبيه إلى أن “إسرائيل” ليست في حالة عداء كامل مع إيران، أو ترغب مثلًا في إسقاط النظام الإيراني، على العكس تمامًا أن “إسرائيل” تكن الشكر والامتنان لهذا النظام، على ضوء تنفيذه كامل الأجندة الإسرائيلية في حماية حليفها بشار الأسد، ومنعه من السقوط، وتقزيم المكون السني واستنزاف مقدرات الدولة السورية وإضعافها وتفكيكيها للمؤسسة العسكرية ومساهمتها في إبقاء المنطقة في حالة فوضى عارمة، لإضعاف الأكثرية وتقوية الأقليات.

إزاء هذه المعطيات، من الضروري الفصل بين عداء “إسرائيل” لأذرع إيران في المنطقة، وبين متانة علاقتها مع النظام في طهران، فما حققته في العراق وسورية قد يدفعها مستقبلًا إلى استلام مهمة جديدة في بلد آخر ترغب “إسرائيل” في تفكيكه، كما أن هذه المعادلة لا تختلف مع تطلعات ترامب، فالرجل التاجر قال مرارًا إن هدف بلاده تغيير سلوك إيران وليس تغيير النظام، ونقطة التلاقي هنا بين أميركا و”إسرائيل” هي الحفاظ على الثوابت مع إيران، مقابل محاربة ميليشياتها في المنطقة، وكسر طريق الهلال الشيعي من طهران إلى لبنان مرورًا من سورية والعراق، ودليل ذلك أن التحالف الدولي كان قد استهدف أواخر 2018 رتلًا لقوات “الحشد الشعبي” العراقي في الحدود السورية العراقية وقتل العشرات منهم.

إن استمرار “إسرائيل” في ضرباتها في سورية، بعد انقطاعها منذ التوتر مع موسكو، يفصح عن قواعد لعبة جديدة غايتها ردع وتحجيم نفوذ إيران في سورية، وإرجاعها إلى ما كانت عليه قبل 2011 إلى جانب استجرارها إلى اتفاق نووي جديد، يجبرها على تقديم تنازلات في ملفات الصواريخ الباليستية والنشاط النووي، أما ما يتعلق بالنظام السوري فهو بالنسبة إلى إسرائيل رقمٌ تم تجاوزه بسهولة، ولم يعد ضمن حساباتها.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close