سلايدرقضايا المجتمع

دولة الحق والقانون ومؤسسات المجتمع المدني.. التكامل والتضاد

تُثار كثيرًا أسئلة عن مدى تكامل أو تضادّ دولة الحق والقانون، مع مؤسسات المجتمع المدني، في وقتٍ يُعوّل فيه كثيرون على مؤسسات المجتمع المدني ومنظماته، التي يريد لها الغرب والدول اللاعبة في المسألة السورية، أن تكون ذات دور كبير في مستقبل سورية القادم.

طرحنا الفكرة على مجموعة من الباحثين السوريين لتصويب المفاهيم، أو إعادة إنتاجها، سواء أكانت تتوافق أم تتعارض مع الفكرة، وإلى أي حد يمكن لمؤسسات أو منظمات المجتمع المدني في الواقع السوري أن تُساعد الدولة الوطنية السورية المأمولة في القيام بمهامها.

الباحث في (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) عبد الله تركماني قال لـ (جيرون): “ليس هناك أيّ تعارض بين دولة الحق والقانون ومؤسسات المجتمع المدني، بل إنّ دور كل منهما يكمل الآخر، فالدولة القانونية لا تلغي مؤسسات المجتمع المستقلة عنها، إنما تساعد في تفتحها، ومؤسسات المجتمع المدني تساعد الدولة في القيام بمهماتها، وذلك هو الإطار السليم لتطور البنية الاجتماعية الدينامية”.

من جهة ثانية، قال تمام بارودي، رئيس المنتدى الاقتصادي السوري: “أوافق بشدة على هذا الطرح، وأزيد بأن مؤسسات المجتمع المدني ليست جزءًا من الدولة القانونية، بل إنهما يشكلان عملية تكاملية تساهم في نهضة سورية المستقبل”.

أما علاء الدين زيات، المدير التنفيذي لاتحاد منظمات المجتمع المدني (تماس)، فقال لـ (جيرون): “ليس هناك من تعارض، بين دولة الحق والقانون ومؤسسات المجتمع المدني، ما هي إلا تقاسم مساحات تعاون وتضمين. في تطورها الصاعد نحو دولة العدالة والكفاية والرفاهية، تخفف الدولة عن كاهلها العديد من المهمات، لتضعها على عاتق المؤسسات المدنية، وذلك لقناعتها بأن توسيع دائرة الحكم عاملٌ مهم لتعزيز المسؤولية والتخطيط المجتمعي للمستقبل، وفق الحاجات الحقيقية للسكان. إنه تفويض مرتجع من العقد الاجتماعي بين السكان والدولة، لإعادة شيء من صلاحيات القرار إليهم، ومنحهم مزيدًا من أدوات التضمين في رسم السياسات، لذلك يبدو لي أن دور مؤسسات المجتمع المدني -في دولة من هذا القبيل- هو دور تكاملي مدعّم بالنظر إلى وحدة الأهداف، ولكن ذلك قد لا ينطبق على المراحل التحولية من دولة لا قانون، إلى انتقالية تطول أو تقصر، ثم الوصول إلى الدولة العادلة”.

إلى ذلك، قال الباحث مروان الخطيبإن “من أولى مهام دولة الحق والقانون، تشجيع وتحفيز المجتمع على تشكيل هيئاته المستقلة، التي من واجباتها تقوية أواصر الحياة المجتمعية، وتفعيل الجدل الاجتماعي لبلورة المشكلات التي يعانيها المجتمع، وإيضاح أسباب هذه المشكلات تمهيدًا لطرح حلول لها، إضافة إلى كون هذه الهيئات المجتمعية التي تعتبر نويات لمنظمات المجتمع المدني التي تكون أساسًا لإنشاء أحزاب وتيارات سياسية، تساهم في صياغة مشاريع ووضع تصورات ومقترحات حلول لآليات تطوير المجتمع”.

وأضاف: “لا يمكن لمجتمع أن يتقدم وينمو من دون تنمية العمل المجتمعي، وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني التي تعدّ الرقيب، ومصدر المؤشرات على مدى نجاعة الحلول لمشكلات المواطنين التي تنفذها السلطة التنفيذية، ودون هذا الدور؛ ستبقى السلطة التنفيذية تتحرك بلا رقيب حي وشفاف، وتكون آليات العمل الديمقراطي منقوصة وعاجزة عن الفاعلية اللازمة لضبط عمل السلطات، وبيان فاعليتها في معالجة واجباتها أمام المجتمع الذي أقر لها بإدارتها لشؤونه العامة، وبقدر فاعلية هيئات المجتمع المدني وتطورها ونضجها في التشكيل والعمل، تكون زيادة ترابط أواصر المجتمع وقوة تفاعله ومقدرته على إدارة شؤونه على نحو يساهم في تطوير مقدرته على استيعاب المشكلات وإبداع حلول لها، إضافة إلى إمكانية تفعيل الروح الوطنية ورفع مستوى الالتزام بدولة الحق والقانون”.

في الموضوع ذاته، أكّد الأكاديمي في علم الاجتماع طلال مصطفى لـ (جيرون): “في الواقع لا يوجد رأي واحد حول طبيعة العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني والدولة (المدنية الديمقراطية) لأنه بمجرد كون الدولة استبدادية شمولية، تغيب مؤسسات المجتمع المدني على الإطلاق، كما هي الحال في سورية، في ظل حكم الأسد الأب والابن. وما زال النقاش قائمًا حول طبيعة هذه العلاقة، بين الدولة المدنية الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، ليس من الضروري أن تكون العلاقة تصادمية أو تعاونية، أو ثابتة، فهي تتغير تبعًا للظروف التاريخية الخاصة بكل مجتمع وطبيعة الدولة”.

وأضاف: “تاريخيًا، نشأ المجتمع المدني في أوروبا من خلال تصادم تيارين فكريين: الأول يمثل مفكري التيار الليبرالي المعاصر (هوبز، لوك، كانط، مونتسكيو، توكفيل …الخ) والثاني يمثل مفكري اليسار الأوروبي الجديد (ماركس، غرامشي، هابرماس… الخ) وفيما بعد، التقيا إلى حد ما في ضرورة استقلالية المجتمع المدني عن هيمنة الدولة، أي في ساحة من التواصل الإيجابي، بين مؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية الديمقراطية (طبعًا القانونية). لذلك أعتقد أن العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة هي علاقة تفاعلية ومتداخلة بشكل لا يمكن فصلها بسهولة، فمنظمات المجتمع المدني تعمل في فضاء مستقل إلى حدٍ ما عن المؤسسات الحكومية للدولة، وفي الوقت نفسه تعمل على إيجاد علاقة بين مؤسسات الدولة وأفراد المجتمع، فعلى سبيل المثال، منظمات المجتمع المدني لا تعمل في السياسة مباشرة، فهي مجال اختصاص الأحزاب السياسية، إذا صح التعبير، ولكن في الوقت نفسه قد تتقاطع مع بعض أنشطتها السياسية، كما هي حال منظمات المجتمع المدني السوري المدعوة لتكون ممثلة في اللجنة الدستورية، وقد أخذت نصيب الثلث كنصيب النظام والمعارضة السياسية، فعملها مستقلّ عن النظام السوري والمعارضة السياسية، ولكن إنجاز دستور للبلاد هو عمل سياسي بامتياز قبل أن يكون قانونيًا. بمعنى أنها تشارك في العمل السياسي من دون أن تكون العنصر الأصيل، وهو المختص السياسي أي ممثلي الأحزاب السياسية للمعارضة والنظام. إضافة إلى أن استقلاليتها عن مؤسسات الدولة المدنية الديمقراطية لا تعني استقلاليتها عن السياق الاجتماعي الثقافي العام، فهي في النهاية من نتاجه، وهكذا واقع مؤسسات المجتمع المدني السورية، حيث لا تستطيع العمل، بأي هامش من الاستقلالية، في ظل وجود نظام استبدادي في الداخل، لذلك نجد أغلبها يعمل في الخارج. وهذا يتطلب منها أن تساهم في عملية التغيير السياسي باتجاه دولة مدنية ديمقراطية، وألا تتذرع بأنها مؤسسات مجتمع مدني لا تتدخل في الشؤون السياسية للدولة، فهذا الكلام يصب في مصلحة الدولة الاستبدادية الخاصة بنظام الأسد”.

وختم: “قد تتعارض مؤسسات المجتمع المدني مع مؤسسات الدولة المدنية في بعض القضايا، وقد لا تتعارض في قضايا أخرى. ولكن هذا التعارض لا يأخذ المنحى الصدامي العدائي، ففي القضايا الخاصة بحماية البيئة والتلوث واستهلاك المياه، وغير ذلك، قد تتصادم منظمات المجتمع المدني المختصة بهذه الشؤون مع المؤسسات الاقتصادية، وخاصة الصناعية للدولة، على سبيل المثال، وكذلك الأمر في التشريعات القانونية في مجالات أخرى. وأعتقد أنه يمكن القول إن مؤسسات المجتمع المدني قد تتعارض، وقد لا تتعارض، في الوقت نفسه، مع مؤسسات الدولة الديمقراطية، فالأمر يعود لطبيعة المشكلات والقضايا المطروحة، زمانيًا ومكانيًا”.

الطبيب السوري أحمد ليلى، العامل في إحدى منظمات المجتمع المدني، قال: “هذا الكلام صحيح تمامًا، في ظل دولة الحق والقانون، ولكن (الدولة القوية) هي التي يكون مصدر قوتها وتماسكها من الداخل، وذلك هو حائط الصد أمام استغلال منظمات المجتمع المدني من قبل أطراف خارجية قد تقوم بزرع الفتن والدسائس في كيان الدولة، على طريقة دسّ السم في العسل، وهكذا يتحقق فعلًا لهذه المؤسسات والمنظمات دورها المنشود في نشر التوعية والتعريف بالحقوق والواجبات، وتحفيز النشاطات المختلفة بين أبناء المجتمع”.

وأضاف: “في الواقع إن أحد أهم إفرازات الثورة الإيجابية خلقُ جيل جديد من الشباب السوري المتفتح على العمل الاجتماعي والنشاط الثقافي المنظم، والقادر على المزج والتفاعل السليم بين العمل المؤسساتي الرسمي، ونشاط منظمات المجتمع المدني المستقل، ليكون الأول داعمًا للثاني، والأخير سندًا لما قبله”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق