سلايدرقضايا المجتمع

ارتفاع معدلات “العنوسة” في سورية.. سلاح ذو حدّين

لم تعد معاناة الشعب السوري الذي يتعرض لحرب عنيفة منذ أعوام، تقتصر على القتل والإصابة والاعتقال والتهجير، بل تجاوزتها لتصل إلى مشكلات نفسية وقضايا اجتماعية خطيرة، بدأت تظهر تباعًا، ومنها انخفاض نسبة الزواج والعزوف عنه، فضلًا عن ازدياد حالات الترمل والطلاق؛ الأمر الذي قد يهدد المجتمع بمشكلات اجتماعية وأخلاقية ونفسية عميقة، يُتوقع أن تنتشر وتزداد آثارها في قابل الأيام، وقد باتت الظاهرة التي يُطلق عليها المجتمع مصطلح (العنوسة) حالة تكاد توجد في كل منزل سوري.

أشارت تقارير نشرتها وسائل إعلام النظام السوري، وأكّدها القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي، إلى ارتفاع نسبة العنوسة في سورية إلى 65 بالمئة، بسبب الحرب المستمرة منذ سبع سنوات، أي أن نسبة الفتيات اللواتي يتزوجن في مناطق سيطرة النظام لا تتجاوز 45 بالمئة.

في هذا الموضوع، أرجعت (أم علي)، وهي امرأة سورية تقيم في إحدى ضواحي دمشق، في حديث إلى (جيرون)، أسبابَ ارتفاع نسبة العنوسة في سورية، إلى “سفر الشباب من البلد”، لكنها استطردت “كل فتاة سيأتي نصيبها في الوقت المناسب”.

وأضافت مع ضحكة ممزوجة بالحرقة: “كثرت الأرامل، وكثر الاندماج بين أهالي المناطق؛ فكثر زواج شباب منطقة من فتيات منطقة أخرى؛ وقد سبّب ذلك انخفاضًا في نسبة زواج فتيات المنطقة، ولكن في كل الأحوال، لقد انخفض عدد الشباب في البلد”.

أما أحلام (31 عامًا) وهي موظفة في إحدى المنظمات الإنسانية في الشمال السوري، فترى أن الزواج “مؤسسة تحتاج إلى استعداد كلا الطرفين لتأسيسها”، لكنّها في الوقت نفسه لم تُنكر ضرورة هذه المنظومة المجتمعية، وقالت: “لها دور أساس في الاستقرار العاطفي والنفسي والاجتماعي للفتاة”.

وأضافت لـ (جيرون): “لم أتزوج حتى الآن، على الرغم من أني بلغت 31 عامًا، ولا أنكر أني أتوق إلى الاستقرار، لكن الزواج الفوضوي لا يؤمّن هذا الاستقرار، فإما أن تكون هناك كيمياء تفاعلية بيني وبين الشخص الذي أرغب في الزواج منه، وإلا؛ فلا داعي للارتباط، فحياتي العملية جيدة، وأنا فتاة قوية لا أستمد وجودي من رجل”.

وأشارت إلى أن معظم الأهالي في الشمال السوري “يسعون لتزويج بناتهن في وقت مبكّر، لعدة عوامل، أهمها الرؤية المجتمعية للفتاة، ولا سيما في وضع الحرب، إضافة إلى فقر الأهل، فيكون تزويج الفتيات أفضل طريقة لرمي حمل ثقيل عن ظهر الأب”.

وأضافت: “الزواج المبكر ظاهرة تُعانيها المحافظات السورية كافة، وهي لا تنتشر في الشمال السوري وحسب، وفي حال رغبت الفتاة في إكمال دراستها والدخول إلى سوق العمل؛ فإن هاجس تزويجها يبقى الشاغل الأول للأم، خوفًا عليها أن يفوتها القطار وتصبح عانسًا”.

من جانب آخر، أكدت المستشارة النفسية زهور قهوجي، لـ (جيرون) أن الزواج “هو ميل طبيعي موجود كظاهرة مجتمعية، وهي تختلف -ثقافة وتقاليد- من مجتمع إلى آخر”، مشددة على أن أهم الآثار السلبية التي تواجه الفتاة العانس “النظرة المجتمعية التي تأتي من العائلة أولًا، ثم من المجتمع، لأنها بلغت سنًا معينًا ولم تحظ بفرصة الزواج والإنجاب”.

وأشارت إلى أن هذه النظرة المجتمعية إلى المرأة التي تأخرت في الزواج “تُولّد لديها تدنيًا في تقدير الذات، وعدم الإحساس بالاكتفاء وبالجدارة، وهذه المشاعر تزداد مع الزمن؛ وقد يؤدي إلى تعرّض بعض الفتيات لأعراض الاكتئاب واضطرابات النوم وفقدان الشهية ورغبة في العزلة، وقد تصل إلى حالة عدم الثقة بالآخرين، وقد يصل الأمر، بعد بلوغ المرأة سن الأربعين، إلى اضطرابات هرمونية وحالة قلق معمم”.

رأت قهوجي أن المجتمع “بحاجة إلى تثقيف ورفع مستوى الوعي، لفهم دور المرأة الفاعل في المجتمع وقدرتها على النجاح من دون حاجتها إلى الزواج، وهذا يتطلب نشر الوعي لدى الفرد، فالعائلة، فالمجتمع كله”، وأضافت: “الفتاة التي تكون مستقلة ماديًا أو مهنيًا أو سكنيًا عن أهلها، ويكون لديها اكتفاء عاطفي من الحب من عائلتها، تكون أكثر قوة، ولا يكون عندها حساسية من موضوع تأخر الزواج”.

وبحسب المستشارة النفسية، فعلى الرغم من قسوة الكلمة ووقعها السيئ على نفس الأنثى، فإن هذا المصطلح “مُستخدم من قبل المرأة أكثر من الرجل، والمرأة ذاتها تصم المرأة بهذه الصفة، لذا يجب توعية النساء بشكل أكبر”، وتابعت: “علميًا ونفسيًا، ينجذب الرجل إلى المرأة الثلاثينية أكثر من القاصر، نظرًا إلى شعوره باستقلاليتها ونضوجها”.

ولفتت إلى أن “التغيرات الظرفية تؤدي إلى تغيّر في التفكير المجتمعي”، مستدلة بقدرة الإناث على العمل أكثر من الشبان، في وقت الحرب التي تعرضت لها سورية خلال السنوات السبع الماضية، وانخراطها في الوظائف والمناصب في كافة مجالات الحياة.

ورأت أن قلة الزواج في المجتمع، وانتشار ظاهرة العنوسة، ستؤثر إيجابًا على المدى الطويل؛ لأن المرأة -برأيها- “ستلجأ إلى إثبات جدارتها، وسيتقبل المجتمع فيما بعد فكرة عدم زواجها، لأنه سيراها مكتملة بذاتها وإن لم يكن لديها شريك أو زوج”.

وختمت قهوجي: “لا يمكن إنكار وجود احتياجات عاطفية للمرأة، تساعدها في الاستمرار والبقاء، سواء من الطرف الآخر أو العائلة أو المجتمع، وعلى الرغم من أن علاقات الحب قد تُغني المرأة نوعًا ما عن فكرة الزواج، فإنها في النهاية سلاح ذو حدين، ففقدان المرأة للشريك قد يسبب لديها ترسبات سلبية تجعلها تشعر بالإخفاق، ومن ثم تدنّي تقدير الذات، لذا على المرأة أن تتصالح مع ذاتها، وتبتعد عن لعب دور الضحية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق