هموم ثقافية

أمّة تفكر أمّة تَأكل

صورة

لا أعتقد أننا أمّة مقتلعة الجذور، ولكن عندما تسيطر على صناعة الكتاب عقلية خرافية، من لجان القراءة في مؤسساتنا الثقافية، كتلك التي ترفض طبع كتبٍ بذريعة أنها لا تستوفي (المعايير الأكاديمية) أو أنها تمس أمن جناب الدولة أو.. نشعر بخطر مثل هؤلاء الحراس الشطار على العقل، الذين بمثل هذا الموقف الرافض يجتثون ما بقي من عقلٍ في عقلنا. ففي الكتب التي أسست لجذور الفكر: فكر العقل العربي، سواء النقدي أو العلمي أو الأدبي؛ ثمة نزاهة وأمانة تعتريك وأنت تقرأ هذه الكتب، لأن أول ما يسعى له المؤلف هو إثبات أمانته في النقل، حين يروي فكرةً أو حادثةً أو قولًا، فيسنده إلى أحمد عن هيثم عن فؤاد عن فيصل عن حكيم عن..عن.. حتى لو كان أحد هؤلاء (العن) كاذبًا. هذه العنعنة اليوم سقطت من المتن، متن الكتاب؛ بل تم إلغاؤها، وصار المؤلفون والباحثون، خاصةً النقاد، يحشون ثلاثة أرباع المتن بمقبوسات من زيدٍ ومن ناصرٍ ومن جورج ومن بيير ومن حسن ومن.. ومن.. ليدحضوا أو يؤكدوا رأيًا. مع أن المسألة في الغالب ليست كذلك، فهم ليسوا ضد وليسوا مع، ولكن ليستروا خواءً عقليًا يعيشونه، فتصير هذه الـ (مِن) حجابًا وحاجزًا ودرجة سلّم يرقون ويحصنون بها ذاتهم كباحثين ونقاد؛ بل وتصير الـ (مِن) رتبة شرف أكاديمية لا ترقى إليها (عن) ولا (واو) العطف ولا (لكن) الاستدراكية. يتقدمون ببحثهم هذا الذي يصل عدد صفحاته إلى مئتي صفحة أو ثلاثمئة أو ستمئة صفحة ويزيد، ثلاثة أرباعها مِن ومِن ومِن إلى أكاديمية ما، وبخاصة بعد كثرة عددها، لينالوا درجة (م) أو (دال) بتقدير امتياز أو شرف أو جيد. ألهذه الدرجة وصل الاستخفاف والإسفاف بالعقل والعقل النقدي؟ ففي الكتب الأولى التي كانت تمتلئ بـ (عَن) كنا مع الأمانة، وكانت الـ (عَن) حيادية لا حول لها ولا قوة، سوى إثبات حسن نيّات الباحث أو الكاتب. وكانت لا تضرنا إِنْ لم تنفعنا. أما اليوم، بحسب المعايير الأكاديمية التي تميل إلى (مِن) وتشجع على استعمالها، فقد نقرأ كتابًا ما تصل هوامشه إلى أكثر من مئة مرجع ومصدر، أي إلى مئة مقبوس/ مسروق؛ ولكن بحماية يؤمنها أو يغطيها أو يغذيها الأمن الأكاديمي؛ إذ يكفي أن تملأ مؤلفًا مِمّا شئتَ من الصفحات والمقبوسات وليس المقابسات، وتضع عليه اسمك، لتتحول إلى عبقري من عباقرة الأمة، بل -حسب معلوماتي- إن أحدهم لم يشأ أن يجهد نفسه باستعمال هذه الـ (من) فسطا على مؤلَّف ما.. ليكن لابن عربي أو الفارابي، ووضع له مقدمة، وكتب على غلافه (تحقيق وتقديم) ونال على أساسه شرف عضوية أحد الأندية أو المؤسسات. أهذهِ هي المعايير الجديدة التي تتم على أساسها صناعة الكتاب، وتقييم المؤلف النقدي أو الأدبي أو العلمي؟ ماذا نقول لأولئك الرعيل من النقاد الذي وضعوا نواة الفكر الأولى للعقل النقدي/ التأويلي وليس النقلي العربي؟ ماذا نفعل بـ (نهج البلاغة) وهو خال من (العنعنة والمنمنة)؟ ماذا نفعل بمؤلفات ابن الهيثم والبتاني وابن خلدون والرازي وابن سينا وابن رشد، وكلها مؤلفات لم تتقيد بشروط البحث الأكاديمي المعاصر. بل كانت ثمار جهدٍ وبحثٍ عقلي تجريبي. ماذا نفعل بعقلنا النقدي؟ هل نقمعه ونمنعه من إجراء محاكماته واستنتاجاته التي تقوم على البرهان لا على البيان، وهو يقرأ رواية أو قصيدة شعر أو مؤلفا فكريًا؟

إِن للعقل كرامة، وكرامته أن لا نهينه فننكر عليه التفكير العلمي، فيما نشجعه على تفكير التفاؤل بالغيبيات والخرافات.

صوت

إذا كنا نستطيع أن نأكل فهل نستطيع أن (نفكر). وإذا كنا نتكلم، نصْدر(صوتًا) فهل الكلام له دلالات؟ وإذا كان، وهو ما يكون، فهل نستطيع أن نقيم علاقات اجتماعية تكفل لنا أن نفكر مثلما نعرف نأكل؟

وإذا تكلمنا، وعَلا (صوتنا) فهل الصوت/ الكلام يكشف عن طبيعة ونوع تفكيرنا، وهل هناك كلامٌ/ صوتٌ يصلح للتفكير فيه وآخر لا يصلح، فاسد؛ مثلما هناك طعام يصلح للأكل وطعام لا يصلح؟ وكيف يخدر أو يحرض ويثير الكلام ويؤثر في انفعالاتنا وتفكيرنا؟ وهل نعرف أن نصغي؛ نسمع ما يحمله الكلام من إشارات: الكلام الذي من على خشبة المسرح، كلام المذياع، كلام الناس مع الناس أنفسهم، كلامنا في مقابلاتنا وحواراتنا الثنائية، كلام الرئيس، كلام السينما، كلام التلفزيون، كلام المدرس. أصوات: الطيور، الرياح، المياه، الوحوش، الحيوانات عمومًا، الآلات الموسيقية؟

وإذا عرفنا الإشارات وحللناها واستلمنا مضمونها؛ فهل تزيد من وعينا؛ من تفكيرنا؟ أم نصاب بعقد وعقد، فنتشوش ونضطرب ونرتبك، وتصير هناك إشارات حلال وللحلال، وإشارات حرام وللحرام وللتحريم، ويصير الصوت الذي من نغمات ونبرات، أيًا كان مصدره، يبعث على التفكير، ويؤسس لبذرة فكرية تنمو بعمليات عقلية رياضية لتصبح نصًا إبداعيًا؛ شعرًا كان أو روايةً أو مسرحيةً أو لوحةً أو تمثالًا أو معزوفةً موسيقية؟ وكأنها ولدٌ/ شاهدٌ (لغة) قد تكون مثيرة، شجية غنية بالخصوبة، مخصابة، أو قد تكون عقيمة غير قادرة على التكاثر، أو ثمارها تثير البؤس والكآبة والتشاؤم.

ثم ماذا نفيد أو نستفيد من النص الإبداعي هذا، سواء أكان خارقًا أم تافهًا؟ لا شك في أن هناك نصوصًا، ولو سمّيتْ إبداعًا، هي تافهة لإنشائيتها وسطحيتها، ولكونها تنتج عن ناس يأكلون ويقلدون ويهتفون يهتفون، وليس يفكرون وينقدون أصحاب عقلٍ جدلي، فلا يغتال أحدٌ (ما) الصوتَ أصواتهم، لأنهم يعيشون لحظة الصمت التي ما قبل وبعد التفكير، فيميزون بين الرطب والجاف، الساخن والبارد، المقدس والمدنس، المرأة والرجل، الحرية والاستبداد، الجبن والإقدام، الظلام والنور، الأحمر والأصفر؛ يميزون بين هذه التقابلات، وما ترسل من ومضات/ إشارات للعقل، يكرسون ويقضون حياتهم من أجلها، من أجل (القيم) المعنوية التي تحملها، وقد تكلفهم ثمنًا ليس أقل من الموت، ذلك لأنها قيم (جمال)؛ الجمال الذي تكشفه حواسنا، جمال الحرية، جمال الشجاعة، جمال الخير، جمال الصوت/ صوت الموسيقى التي هي جزءٌ من الثقافة، لا جزء من الطبيعة، موسيقا صوت/ معرفة، موسيقا مليئة بالمعاني، معاني ودلالات لها علاقة مباشرة بالحقيقة، فلا نسجن أذننا/ الأذن؛ نسجن صوتنا في اللسان فلا نسمع، نصير طرشانًا مثلما نصير خرسانًا، لا نحس، ولا نشعر بفظاعة مشهد لأممٍ تفكر وتصنع نهضتها، فيما أمة مثل أمتنا لا تجيد إلا أن تأكل وتأكل لتصنع تَخلفَها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق