سلايدرقضايا المجتمع

بناء الجسور لا الجدران: من وحي التقرير العالمي لرصد التعليم

تتنامى في بعض البلدان الأوروبية، وكذلك بعض الدول العربية المضيفة للاجئين، نزعاتٌ تعصبية تراوح في شدتها ما بين الضيق والتأفف والتعبيرات اللفظية في حدها الأدنى، لتبلغ درجة العنصرية السافرة، بكل ما تحمله العنصرية من مضامين التمييز والكره والفوقية والرفض وإيذاء الآخر المختلف، ويتم استغلال تلك النزعات من جانب الأحزاب القومية المتعصبة والانتهازية التي تدفع باتجاه إغلاق حدود بلدانها في وجه الأجانب، وبخاصة في وجه اللاجئين.

في هذا الوقت الحرج، يمكن أن يشكل الاتفاق العالمي الذي أصدرته[1] الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال جلستها المنعقدة بتاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر 2018، “إنجازًا مهمًا يمكن البناء عليه لجهة التعامل مع اللاجئين، من خلال ما أكده الاتفاق المذكور من ضرورة تأهيلهم وإعدادهم لدخول برامج التوطين، إلى جانب توفير الظروف الإنسانية الآمنة في أوطانهم عند عودتهم. فضلًا عن الالتزام بتعليم أطفالهم”.

فالقوانين والسياسات المعمول بها إلى اليوم تخذل أطفال المهاجرين واللاجئين، من خلال حرمانهم من حقوقهم وتجاهل احتياجاتهم، وفي مقدمتها حق التعليم، من خلال تعقيد متطلبات تسجيلهم في المدارس، ومع الأسف يشكل اللاجئون السوريون الغالبية بين اللاجئين، على المستوى العالمي[2].

تتخذ النزعات التعصبية لدى بعض القوى والفئات الاجتماعية والسياسية أوجهًا عديدة، وتتبدى بصور متنوعة: منها السافر والمباشر، ومنها المبطن وغير المباشر، في مقابل ظهور نزعات التشنج والانغلاق والكره للمضيف، من جانب بعض المهاجرين واللاجئين[3]. ومن تلك الأوجه نذكر: تنميط الآخر “المختلف” انطلاقًا من معتقدات مفرطة التعميم، وغير دقيقة، ومقاومة للتغيير بخصوص اللاجئين المقيمين بينهم. فعلى سبيل المثال، قد يكون لدى بعض المدرّسين آراء نمطية عن الكيفية التي ينظر بها المهاجرون من بلدان معينة إلى بعض الأمور، فيتوقعون أن جميع الأفراد الذين لديهم مثل هذه الخلفيات يتصرفون بتلك الطريقة، من دون علم بها، إضافة إلى التحامل على المهاجرين واللاجئين، ويُترجم ذلك بإطلاق تقييمات سلبية غير مبررة، تجاه جماعة المهاجرين واللاجئين. فعلى سبيل المثال، قد يشعر آباء الأطفال غير المهاجرين، من دون دليل، بأن الطلاب المهاجرين أو اللاجئين بطيئون في التعلم، وبأنهم يهددون تقدّم أطفالهم. فيؤدي هذا إلى معاناة اللاجئين من التمييز في المعاملة. ويمكن أن يحدث ذلك على المستوي الفردي، كما هي الحال عندما لا يختار النظراء الطلاب المهاجرين أو اللاجئين كزملاء في الفريق، أو على المستوى المؤسسي، عندما تمنع السياسات المتبعة إزاء المهاجرين أو اللاجئين من وصول أبنائهم إلى المدرسة، من خلال المبالغة في الطلبات الإدارية والقانونية كشروط مسبقة لتسجيل أطفالهم في مدارسها.

في الأردن ولبنان، على سبيل المثال، تضع السلطات التعليمية عقبات أمام تسجيل الأطفال السوريين مثل: ضرورة الحصول على إقامة سارية المفعول، أو بطاقة تسجيل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو أن يتوفر لهم الكفيل وعنوان السكن… وقد يجري التضييق عليهم في سوق العمل والسكن والإيجار، وتوجه إليهم السلطات الأمنية في بعض المناطق اتهامات جنائية، ويمنعون من التجول في بعض الأحياء[4]… فضلًا عن المعاملة التمييزية -الدونية- تجاه المعلمين من جانب بعض المعلمين، وكذا نحو الطلاب السوريين على مستوى لغة التعليم واختباراتها، والصفوف التي يُلزم الأطفال بالتسجيل فيها وقد تكون أعلى من قدراتهم اللغوية أو أدنى، لعدم إجراء الاختبارات في الوقت المناسب في بعض المناطق التعليمية. وهؤلاء يمكن أن يواجهوا مشكلات تعليمية مثل عدم قدرتهم على مجاراة الأطفال الآخرين في التحصيل، وشعورهم بالفشل أو التقصير مقارنة بهم؛ الأمر الذي يمكن أن يدفعهم إلى ترك المدرسة، أو التغيب المتكرر عنها. وهذا يخلق صعوبات كثيرة أمام الأهل الذين لا يستطيعون مساندة أطفالهم، لأنهم يشعرون بالعجز أيضًا. فضلًا عن المضايقات والتحرش والعقاب الجسدي في طريق المدرسة وداخل الصفوف، من قبل المارة والأطفال وسائقي السيارات وموظفي إدارة المدرسة، فضلًا عن العقاب البدني.

يمكن أن يتعزز هذا التحيز بتصوير وسائل الإعلام السلبي للمهاجرين واللاجئين. وقد أصبحت التغطية الإعلامية لقضايا اللجوء والهجرة والنزوح سلبية وموضع استقطاب بصورة متزايدة، كما هو واضح، على سبيل المثال، في لبنان وتشيكيا وكندا والمملكة المتحدة والنرويج، حيث غالبًا ما تصور وسائل الإعلام المهاجرين واللاجئين، كتهديد للثقافة والأمن ونظام الرعاية الاجتماعية، وغالبًا ما تكون التقارير الإعلامية المتعلقة بالهجرة مقولبة نمطيًا، حيث تكتم أصوات المهاجرين أو اللاجئين، وتستخدم مصطلحات غير دقيقة. ويمكن للتعليم التأثير في صور وسائل الإعلام السلبية عن طريق توفير المعرفة السياسية ومهارات التفكير النقدي للفصل بين الواقع والخيال.

بقدر ما يتأثر التعليم بأشكال التمييز المذكورة ويُكرّسها، فهو في الوقت ذاته يحتل مركز الصدارة في التصدي لها، من خلال “تعزيز قيم التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم، وجميع الفئات العنصرية أو الدينية”. وقد أكدت دراسات مسحية أن مستوى التعليم يؤثر في المواقف تجاه المهاجرين واللاجئين، فالأشخاص الأكثر تعلمًا أقلّ تعصبًا لعرقهم، ويقدرون التنوع الثقافي بدرجة أكبر، وينظرون نظرة إيجابية بقدر أكبر إلى التأثير الاقتصادي للهجرة. كما أن الأشخاص الأصغر سنًا، وخاصة المتعلمين تعليمًا عاليًا، يميلون أيضًا إلى اتخاذ مواقف أكثر إيجابية، تجاه الهجرة والمهاجرين.

لقد أدركت بلدان متقدمة عديدة أهمية التصدي لظواهر التعصب والتمييز والكراهية، بين فئات من شعوبها، من خلال إعادة توجيه نظمها التعليمية وتضمينها بما بات يُعرف بـ “التربية على التنوع” ما يستدعي إحداث انعطافات تحويلية جدَّية في تلك النظم، تشمل جميع مكوناتها ومستوياتها، من الأفراد الطلاب والمدرسين إلى أطر السياسات الوطنية، والمرامي التربوية العامة وبناء المناهج المتضمنة للمعارف والقيم والمهارات المرغوبة، وإعداد المعلمين المهيئين للتفاعل مع أهداف التربية على التنوع، وخلق البيئات التعليمية – التعلمية صديقة التنوع.

المطلوب نظم تربوية تُيسّر تفتح آفاق جديدة، لولادة أجيال متحررة من ذاتياتها المنغلقة وتعصبها، تفهم التنوع البشري وحق البشر بهذا التنوع، من خلال نشر تربية تحمل قيم الانفتاح، تربية تنمي مهارات التعامل مع الآخر: القبول والمشاركة والاحترام… بغض النظر عن العرق أو اللون والجنس، وكذلك المستوى الاجتماعي – الاقتصادي. “فبناء الجسور هو الرد المناسب على أصحاب نزعات بناء الجدران”.

[1] الاتفاق العالمي بخصوص اللاجئين بموافقة 181 دولة واعتراض الولايات المتحدة والمجر.

[2] يتجاوز عدد السوريين اللاجئين 7 مليون إنسان يشكلون نحو 36 % من اللاجئين على المستوى العالمي.

[3] يونسكو 2019 الهجرة والنزوح والتعليم: بناء الجسور لا الجدران.

[4]  شاهد فيديو :مدينة سورية في لبنان. على قناة OTV

https://www.youtube.com/watch?v=jpQlcO-6zu0

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق