اقتصادسلايدر

العمل الاقتصادي العربي المشترك: فالِج لا تُعالِج

بدأ فشل قمة بيروت العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية الرابعة، بالظهور قبل انعقادها في 19 و20 كانون الثاني/ يناير 2019. وجاء فشلها مختلفًا عن فشل القمم الاقتصادية العربية الثلاث السابقة. انحصر فشل القمم الماضية بعدم تحقق نتائج أهدافها المرجوة والمعلنة. أما قمة بيروت فاتضح فشلها من مرحلة الإعداد لها، وأداء بعض سياسيي الدولة المُضيفة خلال مناقشات الموضوعات المدرجة على جدول أعمالها. فقد عمل ممثلو تيار “الممانعة” اللبنانية، بدعم إيراني ومن بعض الدول العربية، على تحويلها إلى قمة سياسية بامتياز. وإن صح القول بأن لفشل قمة بيروت فشلًا ذريعًا بعض الجوانب الإيجابية، وفق مبدأ ربَّ ضارة نافعة؛ فقد تحقق شيء من هذا، وإن بطريقة الكوميديا السوداء.

الرئيس الأبدي لـ “برلمان” لبنان يريد عودة الأسد إلى الجامعة العربية، من بوابة دعوته لحضور القمة تحت شعار “لا قمة من دون سورية”. ويتذاكى جبران باسيل مكررًا دعوته العنصرية إلى ترحيل اللاجئين السوريين دون انتظار الحل السياسي. أما ميشال عون “الجنرال القوي” المدعوم من الحزب الإلهي، فيطرح فكرة إنشاء صندوق يصب في جيوب الأسد ومافياته الاقتصادية وسماسرته اللبنانيين، تحت شعار “إعادة الإعمار”. لم ينجح الممانعون اللبنانيون في تمرير ما طرحوه. فدعوة الأسد تحتاج إلى قرار من الجامعة العربية بعودته إلى عضويتها. وبعض الوفود العربية لم تستطع تجاوز التقيد بضرورة “عودة النازحين الآمنة والطوعية، وفق القوانين الدولية”. كما أن موضوع “إعادة الإعمار” لم يكن مطروحًا على جدول أعمال القمة أصلًا.

سبقت قمةَ بيروت ثلاثُ قمم، بموجب قرار من القمة العربية السياسية عام 2007 يقضي بعقد قمم اقتصادية بشكل دوري، من أجل تطوير العمل العربي المشترك وإيلاء الاهتمام للقضايا التنموية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وإنجاز مشاريع متكاملة. عقدت القمة الاقتصادية الأولى في الكويت بتاريخ 19 – 20 كانون الثاني/ يناير عام 2009،  وتضمنت عنوانًا مهمًا يتعلق بالبرنامج المتكامل لدعم التشغيل والحد من البطالة في الدول العربية، وآخر عن برنامج للحد من الفقر، وكذلك تحسين مستوى الرعاية الصحية. وعُقدت القمة الثانية بتاريخ 19 – 20 كانون الثاني/ يناير 2011 في شرم الشيخ بمصر، وتكرر برنامج دعم التشغيل والحد من البطالة والبرنامج العربي للحد من الفقر، وتحسين مستوى الرعاية الصحية. وهذا ما حصل في القمة الثالثة (21 – 22 كانون الثاني 2013) في الرياض بالسعودية. وكان على طاولة القمة الرابعة في بيروت 24 بندًا، تُغطي كل المواضيع العربية المشتركة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية. ملفات واحدة وبنود متكررة ظلت حاضرة على جدول أعمال القمم الاقتصادية العربية، من الأمن المائي والغذائي إلى تحرير التجارة وإزالة القيود الجمركية وتمويل المؤسسات الصغيرة، والحق في الإسكان ومكافحة الفقر والبطالة وتحسين الرعاية الصحية، وربط شبكات النقل البري والسكك الحديدية. وإن حضرت البنود نفسها بشكل دائم فالغائب الدائم هو تنفيذ ما يُقرر ويُتفق عليه. فلا إرادة سياسية حقيقية لتحقيق أهداف هذه القمم، ولا استعداد لتمويل تلك البرامج. تتقرر مكافحة البطالة والفقر لكن ترتفع معدلات البطالة ويزداد الفقر انتشارًا! وكلما تراكمت دراسات توفير الأمنين الغذائي والمائي؛ تفاقم العطش وتعاظم الجوع، كذلك الأمر بالنسبة إلى الرعاية الصحية والمرض وبقية المشاريع والبرامج.

حسب تطور مؤشرات الفقر في التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2018، تراوح نسبة الفقر، وفق خطوط الفقر الوطنية في الدول العربية، بحسب آخر بيانات متوفرة، بين 48.6 بالمئة في اليمن و 4.8 بالمئة في المغرب. رزح أكثر من ثلث السكان تحت براثن الفقر في ما لا يقل عن ست دول عربية، هي اليمن والسودان والقمر والصومال وجيبوتي وسورية، بينما تراوح نسبة الفقر بين الربع والثلث في أربع دول عربية أخرى. ناهيك عن ارتفاع نسب البطالة، وتدني الرعاية الصحية والمستويات التعليمية. ويصبح من باب الترف الحديثُ عن عدم انخراط العرب كما ينبغي في إطار الحدود الدنيا الممكنة في منظومة العلم والتكنولوجيا والابتكار لكسب التحديات الاقتصادية والتنموية.

إن فشل القمم الاقتصادية والتنموية والاجتماعية ليس الفشل الأول في العمل العربي الاقتصادي والتنموي والاجتماعي المشترك، ولن يكون الأخير في المدى المنظور. وهو جزء من فشل العمل العربي المشترك، سياسيًا وعسكريًا وعلميًا وثقافيًا. ويقترب عمر الفشل العربي من يوبيله “الماسي”! ثلاثة أرباع القرن فقط لا غير، إذ تم التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية في 22 آذار/ مارس 1945. وأُنشئ المجلس الاقتصادي والاجتماعي في إطار الجامعة بموجب المادة الثامنة من “معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية” عام 1950. نصت المعاهدة على “إنشاء مجلس يضم وزراء الدول العربية الأعضاء المختصين بالشؤون الاقتصادية والمالية، وذلك بهدف تحقيق التعاون بين الدول الأعضاء على النهوض باقتصادياتها واستثمار مرافقها الطبيعية وتسهيل التبادل التجاري البيني، وبصفة عامة تنسيق النشاط الاقتصادي للدول العربية”. وفي حزيران/ يونيو 1962 وُقّعت اتفاقية “الوحدة الاقتصادية العربية” التي نصت على: “حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال، حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية، حرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافئ والمطارات المدنية، وحقوق التملك والإبصار والإرث لرعايا الدول العربية الأعضاء في اتفاقية الوحدة على قدم المساواة”. ثم قرر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية إنشاء “السوق العربية المشتركة” بتاريخ 13 آب/ أغسطس 1964. لكن السوق المشتركة لم تُفعَّل، والوحدة الاقتصادية لم تتم. الاتفاقية الوحيدة التي طُبّقت هي اتفاقية “منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى – جافتا” التي دخلت حيز التطبيق الكامل والنهائي ابتداءً من 1/ 1/ 2005.

أين يكمن سر هذا الإخفاق الاقتصادي العربي الشامل والمزمن بينما تنجح، إلى هذا الحد أو ذاك، التكتلات والتكاملات الاقتصادية بين الدول الحديثة والمتطورة؟ في الدول العربية يخضع القرار الاقتصادي للمصلحة السياسية للنخب السلطوية، وليس لمصلحة التطور الاقتصادي والاجتماعي والتنمية التي تنعكس إيجابًا على حياة الناس والمجتمع، من خلال “مؤسسات” الدولة وسيادة القوانين والأنظمة. مثالًا لا حصرًا، تتصارع السلطتان البعثيتان في كل من سورية والعراق؛ فيتوقف ضخ النفط من الآبار العراقية إلى مصب بانياس.. تتنازع السلطات السورية مع السلطة الأردنية؛ فيتوقف تنفيذ مشاريع المياه والسدود والزراعة والتجارة المتفق عليها مسبقًا، وقس على ذلك. في الدول “الحديثة” والمتقدمة تخضع السياسة للمصالح الاقتصاد للدولة والمجتمع عمومًا، وفي الحد الأدنى تسير السياسة والاقتصاد على خطوط متوازية. تدخل روسيا وأوروبا في ما يشبه “حرب باردة”، يستمر “سيلان الغاز” في أنبوبه الممتد بينهما. يحدث هذا في الدول “الحديثة”. بينما الدولة العربية ليست دولًا “حديثة”.

بعد الحرب العالمية الثانية، استكملت بعض الدول العربية “صيرورة” تحولها نحو “دولة حديثة”. مثالًا لا حصرًا، مصر وسورية والعراق. بالتأكيد لم تخلُ “سيرورة” تلك التجارب من صعوبات وتحديات، وشهدت عثرات وسارت بمسارات متعرجة لكن آفاقها بقيت مفتوحة على آمال واعدة في منحاها العام. جاء حُكم العسكر عبر الانقلابات لقطع الطريق على ذلك التحول الموعود والمأمول، مصر (1952)، سورية (1963، 1966، 1970)، العراق (1958، 1968). وصارت معظم الدول العربية تتوزع على مجموعتين: مجموعة ممالك “سلطانية” تستمد “شرعيتها” من مفاهيم وقيم وعلاقات “قروسطية”. ومجموعة جمهوريات! ذات أنظمة ديكتاتورية و/أو شمولية. تقاربَت سمتا المجموعتين، وازدادت القواسم المشتركة بينهما. من أهم تلك القواسم انعدام “العقد الاجتماعي”، وغياب إرادة الشعب بوصفها مصدر السلطات والتشريع، وعدم اعتماد الدولة على “المؤسسات”، وعدم التقيد بسيادة القانون. لم تكتفِ “الجمهوريات!” بتقاسم الاستبداد والقمع والفساد والظلامية مع “الممالك”، بل أخذت تنحو باتجاه أن تصبح “ممالك” تحت الصيغة الهجينة المسماة سخرية بـ “الجمالك”. الرئيس المُفدى والزعيم الملهم والقائد الضرورة يُضّحي من أجل “شعبه” بتحمل أعباء الحكم وهمومه مدى الحياة، إلى الأبد. ومن أجل شعبه يقدم ابنه “المعجزة”، سر أبيه، وريثًا لخلافته. نجحت “الأبدية” و”التوريث” في سورية، وفشلت في العراق ومصر وليبيا واليمن حتى إشعار آخر.

ويسألونك عن “الربيع العربي”. فهل تحتاج الشعوب العربية إلى مزيد من الأسباب الإضافية لتكتسب ثوراتها “المشروعية” الإنسانية والأخلاقية والسياسية. وإن اجتمع في سورية، مثلًا، توحش الأسد النادر المثال من قمع وقتل وتدمير وحصار وتجويع وتهجير، مع السياسات “الكلبية” لروسيا ضابط المخابرات بوتين وإيران ملالي “ولاية الفقيه” والكيان الصهيوني العنصري، والخذلان العربي، وسقوط “القيم الحضارية” للديمقراطيات العالمية، تحت أقدام براغماتية سياسات المصالح، وإن اجتمع جميعهم لوأد “حلم” الشعوب العربية بالحرية والكرامة و”الدولة الحديثة”، فلن يستطيعوا قتله نهائيًا. وستتوالد ثورات قادمة.

بعيدًا من الأوهام حول “الحلم الديمقراطي”، لا بد من التأكيد على أن الديمقراطية تحل مشكلة الحريات والحقوق والكرامة المعنوية لكنها لا تحلّ، تلقائيًا، المشكلات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، وهي الجانب المادي للكرامة الإنسانية. وتظل الديمقراطية النظام الأمثل الذي يُمكّن الناس من العمل والنضال لحل مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية. الديمقراطية شرط ضروري وغير كافٍ للتنمية والعدالة الاجتماعية. إن عودة الربيع العربي وانتصاره، وبناء “الدولة الحديثة” ستُعطي العمل الاقتصادي والتنموي والاجتماعي العربي المشترك معنًى حقيقيًا.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close