أدب وفنون

“كاهن دورا”.. من قلب كفرنبل إلى قلب العالم

“البكاء أشبه بالعبادة في حياتنا”

يجلس في بيته الريفي الهاديء يحتسي الشاي، ويصغي لأصوات الاشتباكات البعيدة بين الفصائل المتناحرة، وعندما يشعر بالضجر، يهرب إلى الطبيعة التي يشعر بتوحده معها، قليل الكلام، كما يصفه معارفه، مبدع في الكتابة واستقراء المستقبل.

(كاهن دورا) الروائي السوري عبد العزيز الموسى، بكامل نزقه ترك مهنة تدريس الفلسفة -بعد سنوات من ممارسته لها- وامتهن بيع البطيخ، ثم بذات النزق، أحرق الخيمة بأعمدتها وبطيخها، وجلس يشرب الشاي، ويتابع لهيب اشتعالها بكل هدوء.

الروائي الموسى من مواليد مدينة كفرنبل عام 1947، صدر له تسع روايات نذكر منها: “اللقلق”، ثمّ “عائلة حاج مبارك”، وقد فازت بجائزة “نجيب محفوظ، المرتبة الثانية، و”الجوخي”، و”بغل الطاحون”، “جبّ الرمان”، ثم “كاهن دورا” التي فازت بجائزة “مجلة دبي الثقافية”، إضافة إلى أربع روايات غير مطبوعة، يقول الموسى إنه يشك في أنها ستطبع؛ إذ لا أحد يجرؤ على طباعتها، لأنها كُتبت في الظرف القاهر الذي أخضعنا له.

رواياته، كما وصفها صديقه الإعلامي أحمد زعتور: “تلمس في روايات عبد العزيز الموسى نفسًا نقديًا أحيانًا، أو ساخرًا أحيانًا أخرى، من التراكيب الاجتماعية والسياسية والدينية وحتى الاقتصادية السائدة. استطاع نشر بعض رواياته الأولى بطرق شتى، وعلى حسابه الخاص، لكنه توقف عن الطباعة لعدم تمكنه من دفع تكاليفها”.

ويتابع زعتور: “تتضح أهمية روايات عبد العزيز الموسى وتميزها من عدة نقاط، منها اشتغاله على اللغة وتمكنه من أدواته وسعة قاموسه العام والخاص، هذا الغنى تؤكده مؤلفاته العميقة”.

أما عباس حيروقة، فقد كتب ما لمسه من خلال قراءة رواياته: “الفن الروائي عند عبد العزيز معرفي أيضًا، كنتاج للعمل الاجتماعي والتفكير الممارس، من خلال وعيه التام لتركيبات شخوصه الداخلية، وأيضًا من خلال اشتغاله على الشعرية الواضحة، وخصوصًا بمنح المكان المتألق واللحظات المهمة ليحملها الشعر في جنباتها”.

وتابع: “تأتي أهميتها -أيضًا- من تلك الحكائية في لغته المبسطة، التي تدل على اندغام الكاتب ببنية اجتماعية حكائية غنية، وأيضًا، ما عكسته لغة الكاتب التي تدل على وعي فلسفي تخصصي، أي نلحظ تأثير اختصاص الفلسفة الذي درسهُ ودرّسه بشكل واضح، سواء من خلال تعامله مع حالات شخوصه النفسية أو من خلال اللغة، كل هذا يمنح العمل قابلية القراءة المنتجة”.

التقت (جيرون) الروائي السوري عبد العزيز الموسى، وسبرت أغواره من خلال الحوار التالي:

– يبدو، من خلال ما كُتب عنك، أنك ساخط على كل ما حولك، وعلى كل السنوات الماضية والحاضرة، فما أسباب كل هذا السخط؟

= لستُ ساخطًا، لكنني أنتمي إلى جيل بكاء مقهور، والبكاء أشبه بالعبادة في حياتنا، ثم هاتي لي بقعة نور بحجم الكف لأقف عليها، وحياتنا أخذت من البداية سمتًا أفقيًا مسطحًا يحمل يقينياته معه، واكتشفنا أنها يقينيات محروسة لصالح الغباء والعجز، وهو ما أثار شفقتنا وغضبنا من بشرٍ يستميتون للدفاع عن كل ما يتضاد مع مصالحهم من نذالات ملونة، عمرها بعمر الأمة التي ننتمي إليها.

– تنقلت في أعمالك من معلّم إلى مدرّس إلى بائع بطيخ؛ ثم تفرغت للكتابة، أي المراحل الحياتية تجدها أقرب إلى نفسك؟

= هذا ليس سؤالًا؛ إذ لا يمكن الاختيار بين فرص غير متناظرة في الأهمية، غير أني أميل إلى طابع المغامرة في مهنة ضمان البطيخ وليس بيعه، باعتبارها مقامرة تشدني إلى الحلم بالربح أو الخسارة، مهما كانت كبيرة بحجم ملايين أيام الملايين، بمتعة لا يحسها كل إنسان. أردت أن أقول لنفسي لست بائع فلافل!! أحب الأحلام الكبيرة والأوزان الكبيرة.

– بعد طباعتك عدة روايات، حصلت على عضوية اتحاد الكتاب في سورية، فما الذي أضافته لك تلك العضوية؟

= لم تضف لي عضويتي في الاتحاد الكثير، لكنني تعرفت عن كثب إلى قامات رائعة، وقامات مخصية مهزومة تستحق الاحتقار، سوق (بازار) الأغبياء المخبرين هي الأنشط، بسعر سياسي يتم تقريره في أقبية نتنة، عبر مصلحة مدروسة أو عبر امرأة جميلة!

عام 2012 احتاجوا إليّ لحوار في المحافظة، وكنت في ذلك الوقت أستلقي على لوح خشبي، بسبب وجع الظهر ولم أستطع الذهاب، فوسّطوا حسين جمعة، الذي قال لي: سمعتُ أن عندك روايات غير مطبوعة؟! قلت له نعم. قال: هات سنطبع لك رواية على نفقة الاتحاد! قلت له: اسأل المحاسبَ سلام، فجميعها عنده.

وبالفعل، طبعوا لي رواية (جرجرة) التي رفضوها خمس مرات، وأرسلوا رواية إلى وزارة الثقافة، وتمت طباعتها ضوئيًا لنفاد حصة الورق المخصص، وأعطوني خمسين ألفًا عن الرواية الأولى، وخمسة وعشرين عن الرواية الثانية، وفورًا، من دون تردد، اعتمدوني قارئًا لمجموعات قصصية (حوالي خمسة وأربعين) من أجل مسابقة مجزية، على غير ما نعرفه من المسابقات. وأعطوني خمسة وعشرين ألفًا، وعلى الفور اتصلت معي ساندي من الاتحاد، وهي تضحك، وقالت لي: عينوك قارئًا أولًا في الاتحاد، انتقم منهم الآن، عذبوك كثيرًا، القرار بيدك، لكن ما سرّ شهر العسل هذا؟! بعد بضعة أسابيع رقنوا قيدي في الاتحاد، لأني لم أذهب إلى إدلب!

– شاركتَ في بعض المنابر الثقافية السورية، على الرغم من عدم رضاك عن طريقة إدارتها، فما الذي جعلك تعتلي منصات القراءة في أماكن لا تستهويك؟

= لم أرتق أي منصة مرغمًا، بالعكس كنت أرفض -بمناكدة واضحة- كثيرًا من الدعوات، لأنهم يرفضون وجودي في أماكن بعينها طبعًا، عبر أجهزة نشطة نابهة منعتني حتى من دخول المراكز الثقافية في وقت لاحق.

– بعد تاريخك الأدبي الحافل بالإبداع، هل استطعت الوصول إلى دائرة الضوء في سورية وخارجها؟

= ليس ثمة ضوء حتى تكون هناك دائرة، الأضواء مفصلة على قامات منتفعة.

– فزت غير مرة بجوائز أدبية عربية، فهل تثق بنزاهة لجان التحكيم في المسابقات الأدبية المنتشرة في الوقت الراهن؟

= غالبًا وليس دائمًا، ومن باب التذكير، في رواية (كاهن دورا) التي أجمع اثنان من القراء على الجائزة الأولى، والثالث الذي يتصل بأصله من جنوب العراق إلى جنوب لبنان، رفضَ ممانعًا بقوة، بعد ذلك قرر الأول والثاني انسحابهما وسحب الرواية، إن لم تعط حقها! وخوفًا على زعلهم قال لهم مصالحًا: ضعوها في الوسط وانتهينا. نموذج ربما لا يتكرر دائما، لكنه حصل.

– كتب عنك وعن رواياتك صديقك غريب رجب، وأكد أن رواية (كاهن دورا) التي تدور أحداثها في زمن غابر، تستقرئ الحاضر، فما هو شعورك وأن تعيش روايتك فتدخل عمق تفاصيلها وتحاكي شخوصها؟

= “كاهن دورا” حلم مرعب في نبوءة القصف ونبوءة عيني دورا، سجلته في أول رمضان، تابعته على مسافة الشهر؛ فصار كاهن دورا. طبعًا كنت قد خططت للعيش بالطريقة التي وردت في الرواية، لولا أن طلاب الثانوية أحرجوني وقت شغر مكان مدرس الفلسفة.

– هل أثرت دراستك للفلسفة في تصرفات شخوص رواياتك؟

= بالتأكيد، لقد أثرت الفلسفة أو علم النفس في تعرية الشخوص. كنت أعمد للنبش في الجوف، حيث نشفق على المجرم أو العكس!

عالج بغل الطاحون مرض الخصاء عند المسؤولين، مما جعل ديانا جبور تندم لأنها لم تشتر مني مئة نسخة وتوزعها قبل أن ينتحر الزعبي بشهر واحد.

– أسماء كثيرة يسبقها لقب ناقد، ثم لا نجد من النقد إلا المديح، فما رأيك في حركة النقد في الوطن العربي؟

= لا أثق بنقد مصنع في كيانات سياسية، لم تقل في حياتها جملة صحيحة، حتى ولو كان الأدب من الخيال لا يجوز أن يعيش إلا بمواصفات محددة، لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة. الحقائق تصنع تحت، ثم تأخذ ألوانها لاحقًا.

– ما السر الذي يمكنك أن تخصّنا بكشفه من خلال هذا الحوار؟

= ليس بحوزتي أسرار، نزق وأحمق، ولا أحب لنفسي هذه السمات باعتباري استفظع غباء البعض. وعندما لا أجرؤ على المواجهة مع الغباء أهرب. الهروب فضيلة شاحبة ضد القمع والهوان.

–  في ظل ظروف سورية وصعوبة الحياة فيها، هل أنت نادم لأنك لم تلجأ إلى دولة تُعطي أعمالك حقها؟

= ليس الموضوع مسألة ندم. أنا ممسوس بالسفر، وزرت أمصارًا كثيرة، لكن موت ابني محمد بقصف طائرة ميغ، تاركًا أولاده الثلاثة وزوجته، جعلني أتحوّل إلى أب من جديد، حركتهم ثقيلة علي لو فكرت بالخروج، كنت أهرب بهم ضمن القرى المجاورة، وقت يشتد القصف، أنا موظف من أجلهم، بحسب طاقتي.

– لا بد أن أحلام اليقظة تغازلك بين الحين والآخر، ما الحلم الذي يتكرر باستمرار؟

= عندي ثلاثة أحلام أُدوّرها على الليالي، كل يوم حلم، أن ألتقي بالذين أحبهم، وبالذين أحبوني، وأرى بلدًا أحبه ويحبني، ولتغطية هذه الأحلام سأحتاج إلى ثلاث روايات.

– ما النصيحة التي تقدمها للكتاب العرب؟

= إن جاز لي أن أقدم نصيحة، فسأقول إن الكتابة تعادل الحياة، عندما تكتب تحبك الحياة وتحبك المرأة، امرأة بالذات نعنيها، وليس أي امرأة.. اكتب لها على الأقل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق