تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تركيا وروسيا.. هل كان الحمل كاذبًا؟

شهدت العلاقات التركية – الروسية توترًا شديدًا، مع بدايات الثورة السورية، بلغ أقصاه بعد إسقاط الدفاعات الجوية التركية الطائرةَ الروسية، وقد اعتمدت تركيا في تشديد موقفها على عضويتها في الناتو، واستمدت قوتها من هذا الموقع، وكان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما منشغلًا بتوقيع اتفاق إيران النووي، وتجيير كل الأحداث والمتغيرات لكي يستخدمها في البازار الكبير مع إيران، وقد أدى ذلك إلى ظهور دول حلف الناتو بحالة غير فعالة، وخاصة أميركا. وجعل هذا الوضع الأتراكَ في موقف غير قوي سياسيًا، تكامل مع حدوث محاولة الانقلاب، ووجود إشارات إلى أيادي أميركية، عن طريق الموافقة الضمنية على الانقلاب؛ فتمت الاستدارة التركية نحو روسيا، وثبتت العلاقة بالمجهود التركي ما بعد حلب، وبدايات أستانا، مرورًا باتفاقات “خفض التصعيد” ومسار سوتشي واللجنة الدستورية، حتى توقيع اتفاق سوتشي الخاص بمنطقة إدلب والشمال السوري، لكن كل تلك المحطات الكثيرة، التي توحي فعلًا بأن القيادة التركية ذهبت باتجاه الحلف الشرقي الروسي، لم تنفِ وجود خلافات كبيرة، حول قضايا جذرية، حاولت أنقرة أن تتركها للمناورة السياسية، على الرغم من أن هذه الاختلافات كانت تطل برأسها، بين الحين والآخر، وغالبًا ما كان يتم تجاوز الحديث عنها، بسبب ضرورة التنسيق بين البلدين.

مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وظهور نسق مختلف لدى حاكم أميركا الجديد، لم يكن هناك جديدٌ بالنسبة إلى العلاقات التركية – الأميركية، التي استمرت تشهد توترات، وُصِفت أحيانًا بالعنيفة، لكن لم تنس الإدارة الأميركية أن هناك خيطًا متينًا يجمعها مع تركيا. وفي أواخر العام 2018، وبعد التغييرات التي أجراها ترامب على فريقه الرئاسي، وبروز صقور جمهوريين: مايك بومبيو وجون بولتون، وتعيين جميس جيفري مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة للملف السوري؛ بدأت العلاقات الأميركية – التركية تشهد تحسنًا تدريجيًا، انعكس على حالة التحالف مع الروس، الذين استشعروا الخطر الفعلي على تحالفهم مع تركيا، حيث اتسعت رقعة المناورة لدى الأتراك، وباتت خياراتهم غير محصورة بين الروسي والإيراني، بل عاد الخيار الأميركي ليطلّ برأسه، خاصة بعد تسليم القس الأميركي أندرو برونسون، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إلى واشنطن، وإنهاء هذا الملف الإشكالي بينهما، لتضيف استقالة بريت ماكغورك، ممثل الولايات المتحدة في التحالف ضد (داعش) في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، على خلفية قرار ترامب الانسحاب من سورية والتنسيق مع تركيا، عاملًا مُهمًا، لأن ماكغورك كان أحد أسباب التوترات بين أنقرة وواشنطن، بسبب دعمه الشديد لقوات (قسد)، وكل هذا خلق أسبابًا إضافية لعودة التنسيق التركي – الأميركي إلى سابق عهده، الأمر الذي ظهر من خلال مكالمات مُطوّلة بين الرئيسين أردوغان وترامب.

في سياق تلك التطورات، ثمة سؤال يُطرح: هل بات الحلف “التكتيكي” الروسي – التركي على مفترق طرق، خاصة عندما وصل إلى الخيارات المصيرية التي طالما تم تأجيلها لقاء خطوات مصلحية مؤقتة، وخاصة في ما يتعلق بضغط الروس لعودة العلاقات بين أنقرة ودمشق، ومسار العملية السياسية في سورية؟

اتضح خلال الأسابيع القليلة الماضية وجود خلافات عميقة بين البلدين، أكّدها هجوم ناعم من قبل الصحافة الروسية، التي لا تنطق عن هواها، بل من وحي سياسة الكرملين، وتُشير إلى أن “بوتين يحب أردوغان، لكنه يحب سورية والقرم أكثر”، في إشارة إلى أن مصالح روسيا فوق أي اعتبار، وتجاوز الأمر التلميحات الصحفية، ليتطلب ردًا مباشرًا تركيًا على موضوع التنسيق بين النظام وتركيا. وتزامنت تلك الأحداث مع لقاء بين أردوغان وبوتين، ساعد في تعميق الهوة وتوضيح الاختلافات، بدلًا من جسرها، ولم تكن ورقة “اتفاق أضنة” الأمني بين أنقرة ودمشق التي وقّعها حافظ الأسد غائبة عن ذهن الأتراك الذين أعلنوها، لمنع الالتفاف الروسي بترجمة مغايرة للاتفاقية، وهي التي تُخوّل تركيا التوغل داخل الأراضي السورية مسافة 5 كم، ما جعل الروسي مكشوف الظهر سياسيًا.

يبدو أن الحلف الذي راهن عليه البعض بين تركيا وروسيا كان أقرب إلى الحمل الكاذب، فالواقع يُذكّر الروس -كلّ مرة- بأن الأتراك حلفاء حقيقيون للأميركيين، وأنه من العادي أن تمرّ العلاقات التركية – الأميركية بحالة المد والجذر، وأن هذا البلد يرتبط بمصالح مشتركة مع الغرب، على رأسها مواجهة المد الروسي الشرقي للغرب الأوروبي والأميركي، وتشعر أنقرة اليوم أنها أكثر ارتياحًا مع وجود خيارات أخرى على طاولتها، وهي تُناور ضمن هذه المساحة الواسعة، وتنتظر حلحلة قضية منبج مع أميركا وروسيا، وكلاهما بحاجة إلى أنقرة في هذه المرحلة، وهي تُدرك ذلك جيدًا، وحدها المعارضة السورية غائبة عن كل ما يجري، ولا يبدو أن أيّ طرف من الأطراف يأخذها بعين الاعتبار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق