ترجماتسلايدر

لماذا الربح والخسارة غير مترابطين في سورية وأفغانستان!

يسحب الرئيس ترامب بالفعل القوات الأميركية من سورية، ومن المرجح أن يسحبها من أفغانستان أيضًا، مفترضًا أن اتفاق سلام تجريبي مع طالبان قد استُكمل. على الرغم من أن ترامب ادعى في البداية أن الولايات المتحدة قد ربحت في سورية، فإن الدوافع الحقيقية لكلا الخطوتين هي إحساس واسع الانتشار، يتشاطره أنصار ترامب ونقّاده على حد سواء: أنه لا نستطيع الفوز بهذه “الحروب إلى الأبد”، بغض النظر عن مدة بقائنا.

روبرت كابلان، الكاتب الاستراتيجي في صحيفة نيويورك تايمز، قال: “لا يوجد أي احتمال فعليّ لانتصار عسكري على طالبان، وهناك فرصة ضئيلة للانسحاب وترك ديمقراطية يمكن أن تحمي ذاتها بذاتها”. في هذه الأثناء، كتب آرون ديفيد ميلر و ريتشارد سوكولسكي، وهما دبلوماسيان مخضرمان في موقع الإذاعة الوطنية: “داعش ليست ألمانيا أو اليابان، حيث حطمت الولايات المتحدة وحلفاؤها إرادة تلك الأنظمة في القتال، ودمرت كل قدراتها الحربية، وقضت على أيديولوجيات دولها الفاشية، وساعدت في إعادة تشكيل بيئة جديدة لبلدين ديمقراطيين. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إن تحقيق هذا الهدف في سورية هو مهمة مستحيلة”.

أُقدّر عاليًا هؤلاء الكتاب، لكن ملاحظاتهم -على صحتها- لا علاقة لها بالموضوع، وليست مترابطة. جيمس دوبينز، وهو مبعوث سابق للولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان وباكستان، وزملاؤه في مؤسسة (راند) هم أقرب إلى الدقة، عندما كتبوا: “قد لا يكون الفوز خيارًا متاحًا، لكن الخسارة مؤكدة. إن أي انسحاب متهور، مهما كانت مبرراته، سيعني اختيار الخسارة. وستكون النتيجة ضربة للمصداقية الأميركية، وإضعاف الردع وقيمة الضمانات الأميركية في أماكن أخرى، وتزايد التهديد الإرهابي المنبثق عن المنطقة الأفغانية، والإمكانية الواضحة لعودة ضرورية هناك بظروف أسوأ”. تقرير (راند) حول أفغانستان، لكن التحليل نفسه ينطبق على سورية أيضًا.

لم تُهزم الدولة الإسلامية (داعش) ولا طالبان عن بُعد. لقد خسرت داعش تقريبًا كل “خلافتها”، لكن دانييل كوتس، مدير المخابرات الوطنية، حذّر للتو من أنه “لا يزال لدى داعش الآلاف من المقاتلين في العراق وسورية، وتحافظ على ثمانية فروع، وأكثر من اثنتي عشرة شبكة، وآلاف من المؤيدين المنتشرين في العالم”. وطالبان تعمل على نحو أفضل: فهي تسيطر على 44 في المئة من المناطق الأفغانية، وتسبب خسائر فادحة لقوات الأمن الأفغانية. ويقول جنرال أفغاني إن هناك أكثر من 77 ألف مقاتل متطرف يقاتلون الحكومة، وهي نسبة أعلى بكثير من الرقم الرسمي المقدّر بين 25 إلى 35 ألف مقاتل. إذا انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان؛ فمن المرجح أن تسيطر حركة طالبان على معظم البلاد، وإذا انسحبنا من سورية، فمن المرجح أن تنشط الدولة الإسلامية من جديد.

في محاربة هؤلاء المتمردين، يتعين على الولايات المتحدة أن تتجنب ذهنيتها في حرب كبيرة. نعم، لن يكون هناك حفل استسلام على متن السفينة ميزوري الأميركية [السفينة التي وقعت عليها اليابان استسلامها في الحرب العالمية الثانية]. ولكن حتى النصر في الحرب العالمية الثانية كان سيكون مبددًا بنفس السهولة والسرعة للنصر في الحرب العالمية الأولى، لولا لم تنتشر قوات الولايات المتحدة، وتبقى متأهبة في أوروبا وآسيا مدة 73 عامًا.

كلما بقيت القوات الأميركية منتشرة مدة أطول؛ ازدادت فرصة تحقيق أهدافنا. حينما تنسحب القوات الأميركية، تكون العواقب مكلفة غالبًا، سواء من الاستيلاء الشيوعي على كمبوديا، ولاوس، وفيتنام الجنوبية عام 1975، أو صعود الدولة الإسلامية (داعش) بعد عام 2011. وبينما لم تكن الفيتكونغ [الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فييتنام] تحاول مهاجمة الوطن الأميركي، لكن الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة يهاجمانه.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المخابرات الأميركية حذرت من أن “الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من أفغانستان سيؤدي إلى هجوم على الولايات المتحدة في غضون عامين”.

سيقول المدافعون عن الانسحاب إن نشر قوات إلى ما لا نهاية هو أمرٌ غير قابل للاستدامة. لكن هذا غير صحيح. القوات الأميركية متطوعون، وطالما أنهم لا يخسرون ضحايا كثر، فإن الجمهور لا يعارض نشرهم. عانت القوات الأميركية من ست حالات وفاة في سورية و66 في أفغانستان منذ عام 2015، بمعدل 18 حالة وفاة في العام. هذه الخسائر مأسوية، لكن في عام 2017 خسر الجيش الأميركي 80 موظفًا مدنيًا في حوادث التدريب. يموت من القوات الأميركية في التدريب الآن أربعة أضعاف ما يموت في المعارك.

ولم تكن هذه هي الصراعات المدمّرة ماليًا: تشكّل الحرب في أفغانستان أقل من 10 في المئة من ميزانية الدفاع. إذا اختار ترامب الانسحاب؛ فسيكون ذلك خيارَه. على عكس ريتشارد نيكسون في فيتنام، فإنه لن يخرج مضطرًا بسبب الضغط الشعبي. لا توجد احتجاجات مناهضة للحرب في الشوارع.

هذه الأنواع من عمليات النشر هي دائمًا طويلة ومحبطة. لنفكر في حروبنا الهندية، التي دامت ما يقرب من 300 عام (1600-1890)، أو الانتشار البريطاني على الحدود الشمالية الغربية (الحدود الباكستانية الأفغانية الحالية)، وقد استمرت مئة عام (1840 إلى 1940). لا تقوم القوات الأميركية بمهمة عسكرية تقليدية. إنهم يؤمنون جبهات/ حدود السلام الأميركي Pax Americana [الذي فرضته بعد الحرب العالمية الثانية]. وكما أن الشرطة لا تحاول القضاء على الجريمة، وكذلك القوات، هي لا تحاول القضاء على الإرهاب، وإنما تتركه في وضع لا يهدد الولايات المتحدة وحلفاءها. هذه ليست طريقة مرضية لمتابعة الاستسلام التقليدي، ولكن، بينما قد نكتشف قريبًا أنه هزم البديل.

لم ينهِ ترامب، وإلى حد أقلّ لم يربح، الحروب في سورية أو أفغانستان. إن وعود طالبان بالسلوك الجيد لا قيمة لها، والدولة الإسلامية (داعش) لم تقدم أي وعود. إذا قام ترامب بإعادة القوات الأميركية إلى الوطن؛ فإنه يختار أن يخسر ويهدر تضحيات الجيش منذ عام 2001.

(*) الصورة: القوات الأميركية في موقع للجيش الوطني الأفغاني في مقاطعة لوغار، أفغانستان، في آب/ أغسطس الماضي. (عمر سبحاني/ رويترز)

اسم المقالة الأصلي Why winning and losing are irrelevant in Syria and Afghanistan
الكاتب ماكس بوت،Max Boot
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست،The Washington Post، 30/1
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/the-us-cant-win-the-wars-in-afghanistan-and-syria–but-we-can-lose-them/2019/01/30/e440c54e-23ea-11e9-90cd-dedb0c92dc17_story.html?utm_term=.762a03ea71db
عدد الكلمات 829
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق