مقالات الرأي

إعلان ترامب: هزيمة أميركية أم إحراج للخصوم؟

أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018، بشأن سحب القوات الأميركية من سورية، جدلًا واسعًا بين مختلف الخبراء والمحللين، وأيضًا على صعيد الرأي العام العربي والدولي. وقد علل ترامب اتخاذه هذا القرار الذي شكل مفاجأة بالنسبة إلى كثيرين، بهزيمة تنظيم (داعش) في سورية. وشكلت استقالة وزير الدفاع، الجنرال جيمس ماتيس، أحد أبرز تداعيات قرار ترامب، حيث برر ماتيس قرار استقالته باستهتار الإدارة الأميركية بحلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وعدم التعامل معهم باحترام، فضلًا عن تجاهلها بواعث الخطر والنتائج المترتبة التي ستكون من مصلحة منافسي الولايات المتحدة الاستراتيجيين في المنطقة.

هنا يثور السؤال حول موجبات سحب أميركا قواتها المتمركزة على الأرض السورية، في الوقت التي تسيطر فيه -بمساعدة حلفائها الرئيسيين (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) المكونة من تحالف متعدد الأعراق من الميليشيات التي يغلب عليها الطابع الكردي والعربي- على حوالي 30 بالمئة من الأراضي السورية، حيث تتركز معظم الموارد الطبيعية وتحديدًا النفط والغاز.

معظم الخبراء وصناع القرار أخذوا تغريدات ترامب لأول وهلة على محمل الجد، فمنهم من أدرج القرار في سياق تخبط السياسة الأميركية تجاه ما يجري في سورية، إضافة إلى غياب مشروع أميركي واضح المعالم، تجاه الشأن السوري والمنطقة، وهنالك من اعتبره مؤشرًا واضحًا على انكفاء الدور الأميركي في سورية والشرق الأوسط. أما بثينة شعبان، مستشارة رأس النظام السوري، فذهبت بعيدًا حينما اعتبرت قرار ترامب سحب قواته من سورية دليلًا على هزيمة أميركا! إلا أن التصريحات اللاحقة لجون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي، لا توحي مطلقًا بأن الولايات المتحدة تدير سياسة اعتباطية وغير مدروسة في سورية. فحقيقة تشديده في معرض المؤتمر الصحفي المشترك مع بيبي نتنياهو، إبان زيارته لتل أبيب في 6 كانون الثاني/ يناير 2019 على أن انسحاب القوات الأميركية من سورية مرهون بخروج إيران الكامل منها، بما يضمن أمن “إسرائيل” والدفاع عنها، وبالتزام تركيا بتأمين الحماية للأكراد وعدم مهاجمة القوى الكردية، تظهر مقدار الغموض الذي يكتنف قرار ترامب وتصريحاته اللاحقة بشأن سحب القوات الأميركية من سورية.

واقع الحال أن بولتون قد نجح في تصويب تصريحات ترامب التي أقل ما يمكن القول فيها إنها كانت بمنزلة بالونات اختبار، أربكت مختلف أطراف الصراع السوري والقوى الدولية والإقليمية الداعمة لهم. وهذا عزز مواصلة ابتزاز الإدارة الأميركية لحلفائها، خاصة الحكام العرب ممن أبدوا استعدادًا منقطع النظير لاستثمار الموارد وعقد صفقات السلاح، مقابل تلقي دعم أميركا وحمايتها لهم، بمواجهة التهديدات الإيرانية. هذا يفضي إلى القول إن التضارب في التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض عامة، وترامب خاصة، بعد إعلان قرار الانسحاب، ليست دليل تخبط أميركي أكثر منها سياسة منهجية، قائمة على الغموض المدروس، لإبقاء الحلفاء العرب -التابعين- قلقين وخاضعين للابتزاز من جهة، وللحفاظ على الوضع القائم في سورية من جهة أخرى، وهو ما سيبقي الفرصة سانحة لأميركا لإعادة خلط الأوراق متى شاءت، بما يفضي إلى استمرار الاقتتال على الأرض السورية، وإن كان بأدوات مختلفة، تلبية لمصالح الولايات المتحدة و”إسرائيل” بالدرجة الأولى ومن ثم روسيا.

بالعودة إلى بثينة شعبان، لم يكن ينقصها إلا الإعلان عن انتصار نظام الأسد على أميركا، بينما من تبقى من السوريين في سائر أنحاء سورية، على اختلاف انتماءاتهم وولاءاتهم ،إنما يقاسون الويلات من جراء الاستبداد والقمع والفقر والعوز، ويفتقرون إلى أدنى مقومات العيش الكريم. وهل من المنطقي الاعتقاد بأن نظام الأسد وحلفاءه الدوليين والمليشياويين المأزومين سياسيًا واقتصاديًا، قد تمكنوا من هزيمة أميركا، بينما البلد مقسم -بحكم الأمر الواقع- إلى ثلاثة كيانات، خاضعة لعشرات القوى والميليشيات الدولية والمحلية المتناحرة؟ وهل تعي بثينة شعبان أو تصدق في قرارة نفسها ما تدعيه على الملأ؟ الإجابة عن هذا السؤال برسم بثينة شعبان وأقرانها من طابور الذين ما انفكوا يطبلون لنظام بيت الأسد منذ عام 1970 من دون انقطاع.

في خضم تلك التطورات، ما زالت معظم المعارضات السورية تعوّل على تدخل أميركي وغربي لقلب نظام الأسد، وإنقاذ الشعب السوري وحمايته. ومع أنه يقع على عاتق المجتمع الدولي معاقبة كل من ينتهك حقوق الإنسان ويمارس الاضطهاد، تثبت التجارب أن الدول النافذة، ممثلة بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، لا يمتثلون لفرض معايير حقوق الإنسان الدولية إلا عندما ينشأ تهديد مباشر لمصالحهم. في هذه الحالة وحسب، يجري التدخل، بذريعة حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى لو لم تنتهك حقوق الإنسان من قبل الحكام، وأحيانًا يتم تقويض أنظمة منتخبة ديمقراطيًا.

خلاصة القول: التصريحات المتضاربة لترامب وأركان إدارته، جعلت موضوع سحب القوات الأميركية من سورية ضبابيًا، وجعلت الخصوم أكثر حرجًا. فتارة يعلنون أن ترامب لم يقل إن انسحاب القوات سيستغرق مدة قصيرة، وأخرى “إن الإيرانيين يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون في سورية”، بينما تعمل أميركا على تعزيز تواجدها في سورية، يومًا بعد يوم، من خلال زيادة عدد الجنود والمعدات والوسائل القتالية.

يبدو أن إدارة ترامب تفعل عكس ما تصرح به، لإطالة أمد الحرب في سورية قدر الإمكان، وصولًا إلى القبول بالتقسيم الفعلي للبلد كأمر واقع. بالمحصلة، هذا  الواقع يلعب لمصلحة “إسرائيل” بصفتها دولة احتلال، حيث يمكنها من إطالة أمد الاحتلال للجولان إلى أجل غير مسمى، أو طالما بقيت سورية مقسمة بحكم الأمر الواقع.

ترامب يتعاطى السياسة من موقع إدارة الأعمال، فيبتز الآخرين من أجل حملهم على الدفع لأميركا، من خلال عقد الصفقات وشراء السلاح، ثم يقول للأميركيين: هأنذا أجلب المال وأوفّر فرص العمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق