أدب وفنون

جدّي.. جزء من مدينة رحلت

في حالات كثيرة، يكون الجد أقرب من الوالد، ويصبح الأمر مؤكدًا في حالة وفاة الوالد المبكرة، إذ يحلّ الجد مكان الأب، ويملأ المساحة التي يحتاج إليها الأطفال من أبوّة. أكاد لا أذكر أبي الذي رحل باكرًا، وكان رحيله كثمرة من ثمار الحركة “التخريبية”، وعمري -حينذاك- لا يتجاوز السنين الأربع.

مطلع سبعينيات القرن الماضي، لم تكن سورية في أحسن حالاتها لأسرة تسكن الريف السوري بإمكانات محدودة، ومرتبطة بالطبيعة ارتباطًا مباشرًا؛ إذ كانت الحياة مُعلّقة بالمطر بشكل كلي. في تلك الفترة رحل والدي، وهو الابن الأكبر لأسرة مؤلفة من ثلاثة أبناء، وفي ذات العام تركَنا عمي الأصغر لدراسة الطب في جامعة دمشق، فيما التحق عمي الأوسط، مدرس اللغة العربية، بالخدمة الإلزامية، لينال لاحقًا “شرف” خوض حرب تشرين، ويُصاب بشظية رافقته بقية حياته، وليبقى جدي الرجل الوحيد في المنزل مع جدتي وأمي ونحن الإخوة الستة، ولَم يكن هناك بالغ يعين جدي في أعمال الفلاحة.

قبل سنوات قليلة، رحلت الأسرة من قلب مدينة (بصرى) العتيقة إلى خارج سور المدينة، بعد استيلاء مديرية الآثار على المنزل الذي كان ملاصقًا لدير الراهب بحيرا، كأول منزل في المدينة، ولحسن الحظ استطاع جدي ببعض مدخراته أن يشتري قطعة أرض بعيدة نسبيًا من المدينة، وبنى منزلًا من حجر البازلت، مؤلفًا من ثلاث غرف، وبنى في الطرف الآخر “زريبة” للبقرة و”تبّانًا” وغرفة طينية للخبز، ومستودعًا صغيرًا للوقود، وكان الوقود عبارة عن بعض النباتات الجذرية التي تُسمى (الجِزل) تُجمع في موسم الحراثة إضافة إلى بقايا روث البقر، بعد تجفيفه. وكانت تنتصب عريشة أمام المنزل، يوضع تحتها “خابية” ماء للشرب، كنا نُعطّره بعيدان من نبات الخزامى، لتضفي على الماء عطرًا ونكهةً فريدة، وبسبب بُعد المنزل عن المدينة، كنا نجلب الماء من مصدرين: نبع “الجهير” التاريخي في المدينة، وسبب وجودها، أو نبع “المرج”، وكانت أمي وخالتي تنقلان الماء إلى البيت بواسطة “سطل” على رؤوسهن، وقربة مصنوعة من “الكاوتشوك” على ظهر حمار.

كان لجدي ابنتان، تسكنان في منزل خارج القرية، وكان حريصًا جدًا على جميع أفراد الأسرة، وبخاصة أثناء غياب عمي في الخدمة الإلزامية وعمي الآخر في دمشق للدراسة، فكان يعمل حارسًا للمنزل الذي لم يكن له سور في ذلك الحين، وكان يمضي الليل يحميه حتى في ليالي الشتاء القارس، ولا يترك محيط المنزل حتى شروق الشمس.

كان منزل جدي لأمي مختلفًا، فهو أشبه بقلعة صغيرة من طبقتين، من حجر البازلت، بباحة واسعة مُبلّطة بالحجر، تتوسطها شجرة توت أبيض، وفي مدخل هذه القلعة إلى اليمين، كانت “المضافة” وأمامها المجلس الصيفي، ومساحة شاسعة ملحقة بالمنزل، مبنية على مبدأ الأقواس الحجرية ومخصصة للمواشي. في هذا المنزل وُلد وعاش جدي ثمانين عامًا، مع والده واثني عشر عمًا، وأبنائهم، حياةً مزدحمة في كل شيء، ازدحام أطفال وجدّات وعمل وسهر وقصص وأسرار.

إحدى أكبر قصص هذه القلعة هي قصة جدتي لأمي، التي حملت أربع عشرة مرةً، وأجهضت مرتين، فأنجبت اثني عشر ولدًا: تسع بنات وثلاثة أولاد، وتسع بنات -في تلك الحقبة- كان أمرًا كارثيًا في المفاهيم الاجتماعية السائدة؛ حيث كان الذكور مُفضّلين على الإناث، وكانت المرأة تُعتبر مذنبة، لأنها أنجبت إناثًا لا ذكورًا؛ مما كان يسبب لها الحرج في المجتمع، ولهذه الأسباب حاولت والدة جدي تزويجه بامرأة تُنجب الذكور، لكن جدي رفض الفكرة، فاستقرت الأسرة على ثماني إناث.

كانت جدّتي عالَمًا مترامي الأطراف، وسهولًا مزروعة بالحب والعطاء والنقاء، وفي الوقت نفسه، جبلًا من الألم والمعاناة تخفيه عن الجميع.

بالعودة إلى جدي لأبي، كانت مضافته مدرسة حقيقة، على الرغم من أنه لم تُتِح له الظروف أن يكمل دراسته، وتوقف بعد أن حصل على الشهادة الابتدائية “السرتفيكا”، وكان حريصًا على تعليم جميع بناته وأبنائه، وجميع البنات حصلن -على الأقل- على الشهادة الإعدادية، قبل الزواج، وكان على جدار المضافة لوحة لخريطة العالم، وعند المدخل إلى اليسار معدات صناعة القهوة العربية التي تفوح رائحتها في أرجاء المنزل، مضافة مفروشة باللباد وفوقه البساط الصوفي المنقوش يدويًا، وفي صدرها محراب صغير تجاه القبلة، وإلى يمين المدخل كان ثمة خزانة في الجدار تُمثّل لي صندوق العجائب، حيث كان جدي يحتفظ فيها بالحلوى والعسل والحلاوة والسمن العربي، كما يحتفظ براديو “ترانزستور” بني اللون، يستمع من خلاله إلى (بي بي سي)، وكانت المضافة مفتوحة للجميع، طوال الأسبوع ما عدا مساء الخميس، فهي مخصصة على الغالب للحاج خالد (أبو صالح) الذي كان يحضر مساء الخميس من مدينة درعا، لينام في المضافة مع جدي، وليقوم يوم الجمعة بعمله في ختان ذكور القرية، حاملًا حقيبته المرعبة لكل الأطفال، متنقلًا من منزل إلى آخر. وفي أمسية الخميس كان جدي وأبو صالح، وثالثهم صديقهم أبو عبد الله، يلعبون الطاوله ويتبادلون الأحاديث حول الحياة اليومية والسياسة، وكان كل رواد المضافة –لحسن الحظ- من خارج صفوف البعث.

لعب جدي دور المعلم، فقد كان مُلمًا بالجغرافيا والتاريخ، مهتمًا بالسياسة، حافظًا للقرآن والمعلقات وأشعار المتنبي وأبي العلاء، يُجيد قواعد الإعراب، إضافة إلى تجاربه الواسعة في الحياة التي عمل خلالها في فلسطين قبل النكبة؛ حيث طاردتهم عصابات الصهاينة والبوليس الإنكليزي.

مع الأيام، تحوّل جدي من جدٍّ إلى أب ثم إلى صديق، يمكن ممازحته دون حرج، وكان الجميع يتسابق إلى مجالسته، فيحدثهم عن وطنية أستاذه “موفق الشرع” الذي رفض تعليمهم نشيدًا يرحب بالجنرال ديغول الذي زار المدينة، بينما تطوّع معلم آخر لتعليمهم النشيد، فما كان من الشرع إلا أن حرّضهم على الهروب من المدرسة، يوم زيارة ديغول.

كان جدي جزءًا من مدينة بصرى، وسجلًا ناطقًا لكل ما مرّ بالمدينة من أحداث وتغييرات، على مدار قرن كامل، يعرفه أهلها ويعرفونه، لذلك رحَل جزءٌ من المدينة برحيله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق