سلايدرقضايا المجتمع

العبودية الطوعية ومناشدات للأسد “المخلّص”

بعد حرب دموية أدت إلى سقوط مئات آلاف القتلى، وتشريد نصف سكان البلاد، وإبادة مجتمعات حضرية بأكملها؛ هل يمكن أن يكون هناك شيء أكثر سخرية، من رسائل داخلية تنقل إلى القصر الرئاسي في دمشق معاناة شعب يائس، يتجرع المآسي في كل يوم، وتستجديه التدخل من أجل حلها؟ في الواقع، أجل.

الأكثر سخرية -كما يبدو- هو موقف الذين ما زالوا إلى الآن ينظرون إلى رأس النظام، على أنه المُخَلّص، القادر على معالجة جراح الناس، وأوجاعهم، وتردي حياتهم. مع أن القوى الأجنبية الفاعلة على الأرض -والكل يدرك ذلك- لم تترك لسلطته ما يكفي كي يبعث الأمل في نفوس مؤيديه.

المدهش أن القصة لم تقف هنا، فقد ظهر من بين صفوف الموالاة، من هو أكثر تشددًا، رأى في الرسائل ما يشبه مشروع خيانة، وفي ما تضمنته من انتقادات “مخملية” للوضع الحياتي، إرباكًا لشخص الرئيس، وإشغاله بتفاصيل غير مهمة، وحرفًا لبوصلة المسؤولية نحو المقام الذي لا يجوز النَيل من قدسيته، أو زجّه في موضوعات هامشية كضعف أداء الدولة، أو تراجع دورها، أو هشاشة نظام، نجح في تحويل سورية إلى مقبرة جماعية، لكنه ما زال يفشل في تأمين حوامل الطاقة لسكان المناطق التي يبسط سيطرته عليها.

قبل خمسة عقود تقريبًا، وصل الأسد الأب إلى السلطة عبر دبابة عسكرية، وحين توفي في عام 2000، تم توريث الابن مقاليد الحكم، ونُصّب رئيسًا لبلد لم يشهد انتخابات رئاسية طوال ثلاثة عقود. أسست فترة حكم الأب 1970 – 2000 لحالة فريدة من الدكتاتوريات التي شهدتها سورية منذ مطلع الاستقلال؛ حيث وطّد نهجًا من العبودية الجبرية، ثم “العبودية الطوعية” تماهى المجتمع معه، لدرجةٍ لم يعد فيها قادرًا على رؤية نفسه إلا من خلال “رمزية قائد” رفعه المخيال الجمعي، إلى مصاف الآلهة، أو لِنقل إلى مصاف أنصاف الآلهة على أقل تقدير.

استفاد الابن من طغيان أبيه في توطيد ركائز سلطته، ورسم لنفسه دورًا، كثيرًا ما ذكرنا بـ (هاملت) الابن الذي يحاول أن يتقمص أو يرقى إلى شخصية الأب، مدفوعًا بقوة السلطة ودعم امرأة كانت تمثل على الأغلب والدته.

كان من الواضح، بداية، أن الثقافة الغربية التي تلقاها في أثناء دراسته في العاصمة البريطانية لندن، لم تكن سوى واجهة منمقة، لعقل مستبد، سليل عائلة لا تؤمن بغير الحديد والنار، أسلوبًا في ممارسة الحكم والاحتفاظ به.

وخلال سنوات قليلة، تكشفت الصورة، وبدا واضحًا للعيان أن كل ما كان يُسوّق له، من انفتاح سياسي وتشاركية واحترام للرأي الآخر، لم يكن سوى طعم لاستقطاب الناس، ودفعهم إلى الاصطفاف إلى جانبه، ومساعدته في الوقوف في وجه خطرٍ كان يشكله، آنذاك، عدم قناعة بعض أفراد الحرس القديم في البعث الحاكم، بأهلية الشاب القيادية، واستقرار حكمه، وإمساكه ببلد ما يزال يسعى للسيطرة عليه مراكز قوى محلية، ومثلها إقليمية ودولية.

نجح الابن الوريث هو الآخر، في ترويض الشعب. مستندًا إلى عبوديته الطوعية. لكنه سقط في أول امتحان للديمقراطية، فقد استقبلت سجونه بين عامي 2004 و2005 مئات المفكرين والناشطين في مجال السياسة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان. وقَمَعَ تاليًا، بطريقة وحشية، احتجاجات عام 2011 السلمية. ثم حوّل البلد فيما بعد إلى ساحة حرب، لم يسبق لأحد من الرؤساء أن تجرأ على خوض ما يشبهها.

تبوأت “القروسطية” الطائفية التي لم تستطع المدنية الأوروبية أن تهذبها، صدارة المشهد، فقد دعم العنصر الوراثي، سلوكًا جرميًا خطيرًا، لم يكن من الوارد بحسب مقاييس الحكم الرشيد- أن ينتج رئيسًا عصريًا، يعمل لمستقبلٍ كان قد وعد به في مقتبل رئاسته، منفتح على الآخر، وحقوقه.

إن الإغراءات التي اختطفته، ودفعته إلى التخلي عن أدوار حمائية كان من المفترض أن يلتزم بها، وفق ما يقتضيه الدستور، حولته إلى مغامر، لا يجد أدنى غضاضة حتى في قتل مواطنيه أوالتنكيل بهم، أو خيانة القَسَم الذي أداه، وتسليم البلد إلى قوى أجنبية، طلب مساعدتها من أجل التغلب على معارضيه.

تلقى الأسد، في الأسابيع الأخيرة، سيلًا من رسائل الحب والتقدير والولاء، التي تمجد سلوكه العنفي، لكنها تحتج، بلغة مخملية (نيابة عن الطرف الموالي) على الأزمات التي تمسك بخناق المواطن، مثل تدهور الوضع المعيشي، وفقدان حوامل الطاقة، وفساد الحكومة. وتستجديه كي يتدخل من أجل وقف الكارثة، ووضع حد لهذه المأساة، نافية عنه مسؤولية ما حلّ بالبلاد، أو أي صلة له بدمارها الحضري، وانهيار اقتصادها، وإفقارها، وتجويعها، واستباحة دم مواطنيها.

في العبودية الطوعية، يكون الأمر هكذا: حالة استلابية تُقيّد المجتمع، وتغتال وعيه، يساعدنا السياق ذاته في فهم الكيفية التي يتم بها إغفال الحقائق الواضحة، لصالح بروباغندا يقتنع بها جمهور الأسد، تعرض مشاهد درامية للرئيس الإنسان الذي يمد يده للآخر.. الشاب “الجنتلمان” الذي يرتدي البلوزة والبنطال، كأي شاب سوري يعيش عصره، أو القائد الذي يظهر إلى جانب زوجته وهما يعتنيان بواجباتهما الإنسانية، يلاعبان الأطفال، ويكرمان المتفوقين في الدراسة واختبارات الإبداع، أو يزوران عائلات ضحايا حربه المدمرة.

إن قاعدة سيئة الصيت، تنطوي على حجم هائل من المكيافيلية السياسية، عمل بها الأسد الابن، تقول: عليك أن تقتل، وتقتل، وأن تشارك أيضًا في جنازات ضحاياك. وهي القاعدة ذاتها التي سبق للأب أن اعتمدها خلال مرحلة حكمه. فقد نُقل عنه أنه طلب لقاء عدد من وجهاء مدينة “حماة” وسط سورية، بعد مذبحة عام  1982، كما طلب في الوقت ذاته من الجهة الرئاسية التي نظمت اللقاء أن يقتصر حديث الوفد على مكرمات “السيد الرئيس” والعطاءات التي قدمها، ومنها تصديه الشجاع لعصيان المدينة، الذي واجهه بأبشع أساليب القتل والتدمير.

يُطيح التماهي العاطفي قوةَ الإبصار؛ فينظر الذين اختاروا العبودية طوعًا إلى القاتل على أنه “القدّيس المخلّص”! لكن عندما تتحرر، ويكون لديك قضية تناضل من أجلها، ثم تنظر إلى ما يجري، فإنك ستوجه -بكل تأكيد- إلى مقام الرئاسة، رسالةً صريحة شجاعة، كالتي سبق لـ مايكل مور أن أرسلها، قبل سبع سنوات، وقال فيها: (أود أن أتوجه بملاحظاتي إلى الحكومة السورية، إلى أولئك الجالسين في مواقع السلطة والمسؤولية، إن مجموعة صغيرة من البشر لم يعد بإمكانها أن تحكم، وتتحكم في الأغلبية. لقد انتهى وقتكم، كفى. إنها النهاية، أنتم تعلمون أن البشر، كل البشر، على مر التاريخ، يطلبون الحرية. كل البشر يريدون أن يتمكنوا من العيش بالطريقة التي يختارونها، وفي إطار القيم الأخلاقية الأساسية لمجتمعاتهم، لكنهم يريدون أن يكونوا أحرارًا، أن يتمكنوا من انتخاب ممثليهم، وأن يتمكنوا من قول ما يريدون قوله، متى أرادوا).

ألا تلاحظون الفرق الكبير؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق