أدب وفنون

التحليق خارج السرب

منذ بدء التاريخ، بدأ السجال حول ماهية الخلق وهوية الخالق، سجال أدى إلى ظهور مختلف العقائد والتيارات الفلسفية. ثمة من يعتقد بأولية الطبيعة على الوعي، وثمة من يضع الوعي في المرتبة الأولى. البعض يؤمن بتعدد الآلهة وإمكانية نزولها على الأرض، والبعض يؤمن بالواحد الأحد. وهناك من يقدس النار، ومن يجل الشيطان، أو يعبد ذاته، وآخرون لا يدخلون البتة في هذا السجال، لأن الحياة بنظرهم أقصر بكثير من أن تقطع الشك باليقين، في ما يتعلق بأسئلة الغيب.

سجال أبدي حول مفاهيم المقدس والمدنس، الفضيلة والخطيئة، الخير والشر، يقوم غالبًا على منظومة متكاملة من المسلمات، ويتجسد بطقوس وفروض، تجعل الإنسان يدخل في الطاعة الكاملة لمن يُعتقد أنه الذات العليا التي تملك القدرة الكلية على الأرض والسماء، وتتحكم في أقدار البشر. ومما يلفت الانتباه في هذا السياق أن ما يبدو مقدسًا لدى البعض، قد نجده مدنسًا من وجهة نظر الآخرين.

هذا السجال الساخن دومًا، والدموي في بعض الأحيان، الذي أشعل العديد من الحروب، وأزهق الكثير من الأرواح، كان محور العرض المسرحي “أنتيخريست” (Антихрист) الذي يُقدم في صالة “المسرح الجديد” بصوفيا، عن رواية بنفس العنوان للأديب البلغاري الراحل إميليان ستانيف، أعدها وأخرجها بويكو إلييف.

يبدأ العرض وينتهي بـ إيو، ابن رسام الأيقونات في بلاط الحاكم، والكاتب المسن الذي يحاول تدوين سيرته الشخصية، منذ أن كان فتى غرًا أُغرم بابنة الإمبراطور، وكتب باسمها قصيدة غزل، فتلقى على فعلته أول عقاب قاسٍ دفعه إلى أن يدخل الدير ويترهبن ويزهد كليًا بالحياة، حتى وقعت عيناه على تلك المرأة الساحرة (إلينا بتروفا) التي جعلته يهجر الله، وينضم إلى أتباع الشيطان، وصولًا إلى هروبه من السجن، بعد اعتقاله بتهمة الهرطقة والدجل، والحكم عليه بالموت صلبًا.

رحلة من الانقلابات في المعتقدات والقيم ومفاهيم المقدس والمدنس، تشترك في صياغتها مصادفات الحياة والأيدي الخفية من وراء الكواليس، وتبدو كأنها تحدث في زمن غابر، ثم لا تلبث أن تحرق مراحل التاريخ، وتطل على الحاضر بتأملاتها وأسئلتها. رحلة الشك باليقينيات تبدأ بالرجوع نحو الماضي، والانتقال من شخصية إيو العجوز (فسيلين كالانوفسكي) إلى إيو الشاب (ليوبومير كوفاتشيف) راهب يخدم الكنيسة بإخلاص، وسيم إلى درجة تجعل الجميع يقعون تحت سطوة جماله ويتقربون منه، وهو ما يضعه دومًا في دائرة الضوء والنار، ويدفعه إلى التأمل والبحث عن الحقيقة.

حين يعتقد إيو أنه روّض جسده وانتصر عليه، تدخل المرأة الساحرة إلى قلبه، وتجبره على أن يعيد النظر بكل حياته ومسلماته السابقة، معها يولد من جديد، وينتقل إلى شبكة نقيضة من العلاقات والتصورات، حيث يكتشف أن ما يعتبره البشر صراعًا، بين قوى الخير والشر، ليس صراعًا بين الرب والشيطان، إنما هو صراع في داخل الإنسان بين نوازعه الشريرة وخصاله الحميدة، وصراع على امتلاك جسد الإنسان لخدمة مصالح من يدعون أنهم يمثلون إرادة الله ويحكمون باسمه، حينها يقرر أن يغادر الجميع، ويرحل في الأرض الواسعة، يتبع صوت ضميره، ويكتب قدره ونصه بنفسه بعيدًا عن الوصايا.

قارب المخرج بويكو إلييف المناخ الفلسفي الروائي الذي تصوغه خلفية من الصراعات السياسية والعقائدية بأدوات فنية خالصة. اعتمد لغة الجسد ولغة الموسيقى ومؤثرات الصوت لاختزال الفائض من الكلام، اهتم بتشكيل الفضاء المسرحي، وتصميم الأزياء مستلهمًا التراث في إطار معاصر، حيث جعل المشهد يبدو حاضنة متعددة الدلالات والطبقات، توازي وتتكامل مع أداء الممثلين؛ حيث قام كل منهم بعدة أدوار في العرض بحرفية لافتة، ولعل أجمل المشاهد كانت تلك التي عبّرت عن حالة الحب وإيقاع المشاعر الحسية.

ومن ثنايا التوظيف الفني المتقن لأدوات المسرح، انسابت رسائل العرض برهافة بالغة، لعل أبرزها تلك التي أشارت إلى أن جميع المنظومات والمؤسسات العقائدية تسعى لاستلاب الإنسان وتدجينه، والكائن الحر هو ذاك الذي يخوض صراعه التراجيدي من أجل الانفصال عنها، والتحليق خارج السرب، زاده الكلمة المكتوبة التي هي بداية الوعي والتفرد والتمايز عن باقي المخلوقات الأخرى، وهذه ليست مقولة جديدة أو موجهة لبيئة محددة، بقدر ما هي عامة يجتمع حولها أغلب المثقفين والمبدعين في العالم، على اختلاف جنسياتهم، وهم يناقشون القضايا المتعلقة بحرية التعبير التي تبدو منقوصة دومًا، ومعرضة باستمرار للضربات الموجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close