أدب وفنون

وحيدًا على ضوء يعسوب

أن تصير كبراعم الضوضاء بين جنبات الظهيرة، أن تسمعَ حشرجة الثياب المحشوة داخل وسادتكَ، كما لو كانت حواسكَ أغراض الموتى الساكنة والمغطاة بخرق بيضاء في غرفة فوق السطح، بعد أن عرفتَ ما تخبئه السنون تحت لحمها، وما تحاول السعادة قوله في الزمن، أن تخلد إلى ما تركه الآخرون أمانةً في عنقك، تفكك تلك الأغلال بكلمات بسيطة، تريدها أن تكون كالعافية كجملة “تصبحون على خير”، مرّ العمر قرب بيتك كطائرة ورقية، لم تعد لتلك الوصايا الرنانة كلابًا تنبح في ساحة المدينة وتلهو قرب مخيلتك، ما تتخيله منسيًا مدمى يرحل منكَ، أنتَ أنتَ، وحيد كشجرة تودع جذورها وستسقط بعد قليل، ما الجدوى من أن تبقى أو ترحل! هل تظن أنك ستتقن هذه اللعبة وتصير جسرًا؟

ما الحكمة في ردّ النداء إلى أصحابِه باسمًا معافى؟ لقد أخذت العزلةُ جسدك كما اشتهيتَ، وأعادته إلى الغابة، وانتزعتْ وردة روحك البنفسجية نجمَها الآفل وحدث ما حدث، لا نذور تدخل في حلقاتها المذهبة، ولا أحد ينتظر منك رسالة مطمئنةً، وهذا ما زرعه عرَقكَ وتنهده قفصكَ الصدري.

ليكن ذاك اللهب الذي يسوركَ في الحب، تجاعيدًا مرهفة تمدّ اللحاف الصوفي فوق قدميك، لتكن هذه الزفرات اليتيمة أو ما تطلق عليه اسم الحنين، عرضًا مسرحيًا ستشاهده بعد قليل برفقة قطتكَ النحيلة.

طبق العشاء طيبٌ وشهيّ، لا تتذكر أمك الآن، فكّر بأنك نهضتَ بجوعك إلى المطبخ، يتبعك حفيف أصفر، رأيتَ الخبز يدخل إليك من النافذة، كلّ شيء يجيءُ إليك لأنه يحتاجك، كما أنت تحتاجه.

وتلك الثمرة التي كبرتْ وتلونتْ ثم تساقطتْ، كانت تتذوق نزيفها قبل أن تذهب في كامل شهوتها إلى الموت.

لا تنسَ أنكَ مشيت حتى صارت خطواتك كائنًا لغيرك، وربما سقط منكَ عنوان فاحتفظتْ به الحديقة لمصيرها، لقد ساعدتَ المدينة بسعالكَ دون أن تشعر، وخفضتَ بارتباكك الأزرق بين المفارق حرارةَ البيوت المهجورة، وها هي صافراتُ السفن تدخل جحيمها المعتاد، دون أن تشتمَ الشاطئ أو ترنو إلى الصيحات، وهي تنخر ذيلها الأبيض.

لستَ وحدكَ من يحكُّ ظفره بالحيطان التي ابتكرها العراء، وإن كنتَ وحدك في أقاصي أخرى، فهذا الدليل على نجاتك صافيًا عذبًا كعين ماء، بعد أن عشت سجينًا لشعرةٍ رماديةٍ في المدى، مزهريةً لما يحلم به الآخرون كي ترتاح، كم هو مثير أن تحيا من دون ذكريات، لن تنتظر السلاحف في كل سنة على الضفة، أن تخرجَ والدموعُ تملأ عينيها كي تضع بيوضها قرب ابتسامتكَ.

أحدهم يلف شاله حول كتفيكَ، وأحدهم سار عاريًا أمامكَ صوب الحمام، وأحدهم لم ينسَ أن يقدم لكَ كأس ماء قبل نومك، للعزلة أولاد طيبون، جيدٌ أنك لا تعرفهم، ولم يسبق لك أن ذقتَ ملحهم وودعتهم، لكنك كنت حاضرًا على شرودهم، مذ أن قررت أن تعيش بلا ملامح، ألستَ من وقفَ في السهل ذات يوم ودخلَ حقول الذرة على ضوء يعسوب؟

ألا تذكر عندما رميتَ خاتمك في بركة الوحل، وجلستَ تتأمل بلذةٍ عارمةٍ لونه وهو يذوي بعيدًا؟

لا تلمني، لا تلم الخزانة ولا معطفك المعلق كمشنقة في الزاوية، لقد ملّ الشحوب من هلاوسك واكتفى بنفسه، وعندما كنتَ تكذبُ على أصدقائك وتدعي الفوضى والمرض، كانت اللوحات المعلقة تتذكر رسامها بألم وتباعد البياض بين فراغها، وعندما كنتَ تشرب حبوب المنوم، كانت الأريكة تضرب جسدها وتتجهز كي تدخل منامك وتحميكَ، من أرجوحتكَ الصدئة.

تعودتْ ستارة الصالون على حياتكَ، فلا تطالبها بالأمومة الآن، ولا ترنُ إليها كعجوز، فلقد كبرت معك أكثر من عمرها الحقيقي، وليس في بالها شيء غير أن تنتهي مستورةً دافئةً في بيتها.

وأنت تدوس العتم، دونما صديق أو زوجة أو سكين، ثق بهذه الموسيقى التي أعطتكَ سرها، فالموسيقى أقدم منك، هي لا تعرف الغيوم، لا تحفظ أي وجه، ولا تغادر بحقيبة أو تحتاج إلى سنونوة تنتظرها في الربيع، إنها تنتشر وتتوزع كعاصفة، كمن ينتحر مصفوعًا بقلبه، وفي اليوم الذي داخت الموسيقى في رأسكَ وأنقذتكَ، أتذكر؟ كان يومًا صيفيًا، وكنت تضع مسدسًا في رأسكَ وتصغي إلى خفقان الريح في حمّالة صدر سوداء، فوق حبل غسيل جارتكَ الوحيدة.

الثلج يتساقط في الخارج، وعصافيرُ صغيرةٌ تحدق في ظهركَ المطعون، وأنتَ تمسكُ دفتر هاتفكَ وتلفظُ الأرقام بصوتٍ عالٍ، تتمرنُ على النسيان، وتحاول تذكر آخر رقم طلبته، تستعيد اللهفة، يقاطعكَ الثلج مرةً أخرى، ويخرمش عصفوره على نافذتك، ولكنك حزينًا تدخل الضباب بمزمار مكسور وبحة صوتٍ تقول: أعبد عظامكَ.

أنت الآن لا ترى جريمتكَ في الخارج، تتنفسُ بصعوبةٍ، تبلعُ ريقك وتختنق وكأن في فمكَ سمكة، تريدُ أن يرنَّ الهاتف فيرن، تريدُ أن تسمع صوتًا أليفًا فتسمع ذاك الصوت، تريدُ أن تذوّب نبضكَ في نبض المسافة الهشّة، فيذوب وينسحقُ ويصير عشًّا، ثم تريدُ وبكلّ ثقةٍ وحزنٍ وكبرياء أن يكون للصوت القادم بيتٌ ودرجٌ وسرير، فتسمع صوت أيائل وشرارة حطب وقهقهةً تركض.

لقد بقي كل شيء في أذنك طريًّا إلا لحظة الحب تلك، تطالبها بالعودة بالأكل والشرب والنوم، بدأتَ تبحثُ عن جعبة لليد، اليد ذاتها التي أحببتها وهي تلوح عارية في الطرقات.

أنت شهيّ لكنك لا ترى أثركَ، وحضوركَ سؤال مكرر عن عينيك، جاءت الحرب كي تعلمّك هذا، وصدقني لا دخل للندبات في لون ثيابكَ، صدقني ليست الأغاني في حنجرتك اليابسة، هي من وضع سريرك تحت النافذة.

في كفّة ميزان تجلس نشوتكَ، تصعد وتهبط أمام بجعات بحيرة خضراء، وفي الكفة الأخرى وضعتْ لك العزلة جوربيها، وقفزت كي تعيشَ موتها، ولن تستطيع رؤية شجرة الكينا كما في الماضي، سكرى هائمة، فقاعة أوكسجين، سلة ظلال برية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق