اقتصادسلايدر

طوفان “أزمة الغاز” في بلاد البعث يغضب الموالين

سخرية من نظام الأسد "تحت سقف الوطن"

أرجعت حكومة نظام الأسد سببَ أزمة الغاز ونقص المشتقات النفطية التي تعيشها البلاد منذ تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلى تشديد العقوبات الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية على سورية. في وقت رفضت فيه حكومة النظام برئاسة عماد خميس المثولَ بين أيدي مجلس الشعب، المعروف بتشكيلته “الكاراكوزية” برئاسة حمودة صباغ، وذلك لبحث الأزمة التي تعصف بالسوريين، وسط أجواء مناخية قاسية. تزامن ذلك مع مقال نشرته صحيفة (فايننشال تايمز) حول سورية بعد ثماني سنواتٍ من القصف والتهجير، يبيّن الحالة التي آلت إليها البلاد اليوم، إذ قالت الصحيفة البريطانية، إنّه “رغم سيطرة الأسد على أغلب البلاد، لكن ما ينتظر السوريين أسوأ، إنّه رئيس على بلدٍ محطم”.

اشتباك بين مجلس “الكاراكوزات” وحكومة الأسد

أزمة غير مسبوقة في حدّتها خلال ثماني سنوات من عمر ثورة السوريين ضدّ الاستبداد والطغيان، ذلك لأنّها ترافقت مع تقنين كهربائي شديد، وانقطاع في مادة المازوت، بسبب عدم توفره في أماكن، أو بسبب تحكم الدولة في توزيعه في أماكن أخرى، ناهيك عن غلاء أسعار الحطب، زد على هذا كله انخفاض درجات الحرارة الشديد.

حكومة النظام السوري رفضت، الأسبوع الماضي، عقد اجتماع طارئ مع مسؤولين لحل أزمة الغاز التي تعصف بسورية منذ شهرين، بحسب ما ذكر عضو مجلس الشعب نبيل صالح.

صالح، قال عبر صفحته في موقع (فيسبوك)، الأربعاء 23 من الشهر الحالي، إنّ وزير الدولة لشؤون مجلس الشعب عبد الله عبد الله، قدم تبريرات لرفض الحكومة الاجتماع.

من جهته، برر الوزير عبد الله الأمر بأنّ لجانًا من وزارة النفط في الحكومة اجتمعت عدّة مرات خلال الأسبوع، كما ناقش مجلس الوزراء في اجتماعه الأسبوعي، الأحد الماضي، موضوع أزمة الطاقة.

وكان صباغ، قد طلب من خميس، عقد اجتماع طارئ مع المسؤولين عن موضوع أزمة الطاقة، لتحديد المسؤوليات. معتبرًا أنّه من غير المعقول بعد رفع إنتاج أسطوانات الغاز من 120 إلى 160 ألف أسطوانة يوميًا، أن تبقى الاختناقات موجودة. لكنه لم يعلق على رفض الحكومة عقد الاجتماع، بحسب ما أكده صالح.

بحسب إحصاءات (الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية) التابعة للنظام، فإنّ وسطي الحاجة الفعلية -على مستوى سورية- في هذه الآونة من السنة، يُقدر بنحو 100 ألف أسطوانة يوميًا. ما يعني، بحسب مراقبين، أنّ هناك من يتسبب في اختلاق الأزمة للمتاجرة بآلام السوريين.

أعضاء من مجلس شعب الأسد حاولوا تبرئة النظام من افتعال الأزمة، قائلين إنّ “الأزمة التي تواجه البلد لجهة تأمين الغاز والمشتقات النفطية، ومستقبلًا ربما الأدوية وغيرها، هي من ظروف الحصار وصعوبات التحويلات ومنع التعامل مطلقًا مع سورية تجاريًا وماليًا، وفق ما نصت عليه العقوبات التي خضعت قبل أيام لتشديد دولي”.

ورأت وسائل إعلام موالية للأسد أنّ “هناك قرارًا بالضغط على النصر العسكري عبر شنّ حرب اقتصادية”. مذكرة بـ “حقبة الثمانينيات حين طال الضغط على بلادنا لقمة عيش المواطن السوري، وخرجنا من تلك الأزمة دولة تنشد أمنها الغذائي”.

وأشار إعلام الأسد إلى أنّه “طوال العامين الماضيين، كانت هناك أساليب معينة تتبع في عملية التوريد تقوم على التحايل على العقوبات”. مشيرين إلى “أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الراغبين في الضغط أكثر على سورية قد تنبهوا إلى هذه الطرق، وقرروا ببساطة الالتفاف عليها والتضييق أكثر، لمنع النواقل من نقل الغاز إلى سورية”.

ووعدت حكومة النظام الأسدي، في اجتماعها الأخير، بانفراج قريب لأزمة المشتقات النفطية، عقب وصول ناقلتين تحملان 4400 طن من الغاز السائل إلى ميناء بانياس في الساحل السوري، بحسب ما صرح به رئيس دائرة المصب البحري في بانياس، طلعت نيوف، لكن على الرغم من ذلك ما زالت الأزمة مستمرة؛ ما يطرح تساؤلات حول أسبابها.

وتصل ناقلات غاز إلى الساحل السوري، من دون تحديد مصدرها أو هويتها، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات أجنبية عملت على توريد النفط والغاز إلى سورية. وتنص العقوبات على تجميد الأصول في البنوك الأميركية لأيّ شركة أو كيان، ومنع جميع الشركات الأميركية من القيام بتعاملات معهم.

إضافة إلى العقوبات المفروضة منذ عام 2011، أصدر (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية) OFAC التابع لوزارة الخزانة الأميركية، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ما وصفه بـ “مشورة للأفراد والشركات في جميع أنحاء العالم المرتبطة بالصناعة البحرية، بشأن مخاطر العقوبات إذا شحنوا منتجات النفط إلى سورية”. وتم توجيه التحذير، خصوصًا، إلى “شركات التأمين وشركات الشحن والمؤسسات المالية وأصحاب السفن والمديرين والمشغلين”.

كما أصدر مكتب OFAC قائمة عقوبات بحق تسعة أشخاص وكيانات، هم بمنزلة “شبكة عالمية، يحاول من خلالها النظام الإيراني، عبر شركات روسية، تزويد الحكومة السورية بملايين البراميل من النفط”. وأبدت واشنطن التزامها بقطع إمدادات النفط عن سورية، أيًا كان مصدرها، وأصدرت قائمة غير شاملة للسفن التي قالت إنّها زودت سورية بالنفط ما بين عامي 2016 و2018، كتحذير واضح لأصحاب السفن والمتعاملين معهم.

“البطاقة الذكية” اختراع أسدي لإذلال السوريين

انتشرت في الأسابيع الأخيرة، العديد من الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر طوابير حاشدة لمواطنين في مناطق سيطرة النظام، تنتظر الحصول على أسطوانة غاز، على الرغم من برودة الطقس.

صور مؤلمة تأتينا من المدن السورية، حيث ينتظر الآلاف وصول سيارات توزيع الغاز والحصول على الأسطوانة الزرقاء، وإن كلّف هذا الانتظار ساعات طويلة، وكثيرًا ما تؤول إلى فشل المواطنين في الحصول على أسطوانة بسعرها الأصلي الذي يبلغ 2650 ليرة سورية، فيما تباع، منذ عدّة أسابيع، بالسوق السوداء في مدينة دمشق -إن وجدت- ما بين ستة وثمانية آلاف ليرة، وفي ريف دمشق حوالي 10 آلاف ليرة، بينما بلغ سعرها في عدد من المدن السورية نحو 18 ألف ليرة، أي حوالي ثلث راتب الموظف الحكومي! ما يعني أنّه إذا كانت العائلة بحاجة إلى ثلاث أسطوانات شهريًا للطهي والتدفئة؛ فإنّ الموظف سيصرف كامل راتبه!

ويعاني كثير من السوريين أزمات معيشية وضائقة مادية حادّة منذ عام 2011، من جراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية والدواء والمحروقات، وتدهور الليرة السورية (كل 500 ليرة تساوي دولارًا واحدًا، فيما كان كل 50 ليرة تساوي دولارًا)، وقالت مديرية حماية المستهلك التابعة للنظام، في وقت سابق من العام الماضي، إنّ عائلة مكونة مِن 5 أفراد تحتاج -في الحد الأدنى- إلى حوالي 150 ألف ليرة شهريًا من أجل الطعام فقط، خاصة أنّ العام الحالي سيشهد تخفيضًا للدعم الاجتماعي مع خفض مخصصات الفرد مِن مادة الخبز، نتيجة انخفاض ميزانية العام 2019 التي أقرّتها حكومة النظام بـ 8.9 مليار دولار.

ونالت أزمة الغاز الحادّة والمتفاقمة في الأسابيع الماضية، من أصحاب المطاعم والمهن البسيطة، في عموم المحافظات السورية، كباعة الشاورما والفلافل الفول والحمص، الذين توقفوا عن العمل بسبب انقطاع أسطوانات الغاز.

وزير النفط في حكومة النظام علي غانم، أكد هذا الأسبوع في تصريحات نقلتها صحيفة (الوطن) المقربة من النظام، أنّ الحكومة ذاهبة إلى “البطاقة الذكية” بالمطلق للأسر لتغطية حاجاتها بشكل فعلي حسب عددها، ومن ثم سيتم إلغاء الآلية السابقة، مبينًا أنّ تلك الآلية كانت تعتمد على لجان المحروقات والأحياء والمخاتير، وقد كان هناك الكثير من السلبيات في هذا الموضوع، وبالتالي لا يكون الضبط إلا عبر “البطاقة الذكية”. على حدّ قوله.

الوزير غانم كشف أنّه خلال مرحلة قريبة سيتم تطبيق “البطاقة الذكية” على الغاز، وستكون نقطة الانطلاق في محافظة اللاذقية (معقل النظام الأول)، وسيُطبّق ذلك تدريجيًا، معلنًا أنّ هناك 16 ألف موزع للغاز في البلاد.

و”البطاقة الذكية” اختراع أسدي لإذلال من تبقى من السوريين في المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، ولا يمكن للمواطن الحصول عليها إلا بعد تسليم دفتر العائلة وصور عن هويات أولاده وزوجته المسجّلين على خانته، للجهات الحكومية المختصة التي تشدّد في الآونة الأخيرة على أنّ هذه البطاقة ستكون قريبًا ضرورة بالنسبة إلى كل عائلة سورية، وفق المخطط الحكومي، إذ سيتم عبرها توزيع مخصصات مادة مازوت للتدفئة بسعر مدعوم حكوميًا. كما ستقدم عبرها أكثر من 20 خدمة لاحقة سيكشف عنها تباعًا.

مطالبة “حاكم الخراب” بعزل “رجال المرحلة”

موالون رأوا أنّ تطبيق تجربة “البطاقة الذكية” خيّب الآمال، بعد أن ظهرت العديد من السلبيات، وجعل الاستبشار بدخول السوريين إلى عالم التنظيم الرقمي المريح يتلاشى سريعًا. مؤكدين أنّ تعميم التجربة على جميع المحافظات محكوم سلفًا بـ “الإعدام الشعبي”. ومنهم من تندّر بتوقعات عن فرض الحكومة على الشعب، عبر هذه البطاقة، اختصار وجبات الطعام الثلاث بوجبة واحدة للغداء، أسوة بما فعلته لتحديد مخصصات الوقود لكل سيارة.

في رسالتها إلى سيدها “الرئيس” قالت الفنانة شكران مرتجى في ما يخص “البطاقة الذكية”، “عملولنا بطاقة ذكية وبدك تكون عبقري حتى تروح وتقدر تطالعها”.

فنانون موالون أيضًا، انبرى بعضهم للتعامل مع الأزمة بطرق ساخرة، حيث انتشرت صور لهم على وسائل التواصل الاجتماعي، تجمعهم مع أسطوانة، حيث ظهر الممثل باسم ياخور في صورة وهو يحتضن فرحًا أسطوانتي غاز.

كذلك، نشرت صفحات موالية في الفضاء الأزرق، صورة للمطرب شادي أسوَد، يظهر فيها ضاحكًا وهو يعتلي سيارة محملة بأسطوانات الغاز. ولا يعرف إن كان القصد من هذه الصور الشماتة من (شعب المولاة) الغاضب من النظام الأسدي، أم هي طريقة أخرى للتعبير عن حالة السخط التي اجتاحت مناطق سيطرة قوات الأسد.

وكان الفنان أيمن زيدان، المعروف بتأييده للأسد، قد ركب موجة الانتقادات بعد مرتجى، حيث هاجم الحكومة ناعتًا رجالها بأنهم “غير مسؤولين، ولا يستحقون أن يكونوا رجال المرحلة”، محملًا إياهم مسؤولية تردّي الأوضاع المعيشية، وغلاء الأسعار وفقدان الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مطالبًا سيده “الرئيس” بضرورة عزلهم، وإيجاد غيرهم ممن “يستطيعون إيجاد الحلول بدلًا من إجادة التبرير”.

انتشار موجة الانتقادات الكبيرة لأركان حكم الأسد من قبل موالين ليس إلا تأكيدًا عن اتساع رقعة الاحتجاجات، بعد أن بات السواد الأعظم من الحاضنة الشعبية لـ “حاكم الخراب”، بحسب ما وصفته الصحافة البريطانية، عاجزين عن تأمين أدنى متطلبات المعيشة، في ظلّ انتشار الفساد المترافق مع تضييق حكومي يُمكّن الفاسدين من التغول في انتهاك حقوق من لا سند لهم في بلاد البعث.

أزمة الغاز ليست وليدة ظروف الحرب، كما يُروّج إعلام النظام، ففي عام 2008 سُجّلت سورية بمراتب متأخّرة عربيًا، وهي إلى جانب البحرين أضعف عشر دول عربية في إنتاج الغاز الطبيعي، ولا يبدو أن هذه الأزمة في طريقها للانفراج قريبًا. إنّ خير ما نختم به هو تأكيدنا أنّ حرمان السوريين في مثل هذه الأيام من الغاز وباقي المشتقات النفطية، يُعدّ جريمة ضدّ الإنسانية يقترفها النظام الأسدي بحق الشعب السوري المحروم منذ نصف قرن من الزمان من أبسط حقوقه الإنسانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق