كلمة جيرون

لا تموتوا ببطء

خلال ما يقرب من ثماني سنوات، جرّب السوريون المعارضة السورية، وجرّبت المعارضة السورية بالسوريين، وأنهكتهم بممارساتها ونظرياتها ورؤاها، التي كانت السمة المشتركة بينها جميعها أنها تجريبية، تخضع للخطأ والصواب، للنجاح والفشل، ولو أنها عملت بمسؤولية لإيقاف المأساة؛ لقبل السوريون بأي نتيجة، وإن كانت صفرية، على الأقلّ لكانت مأساتهم آتيةً من طرف نظام الأفران البشرية فحسب، ولم تكن آتية من “ذوي القربى” أيضًا.

دعت المعارضة السورية إلى العسكرة، في الوقت الذي لم يستنفد فيه النشاط السلمي فرصته الكاملة (على الرغم من بطش النظام)؛ واستقوت بسرعة بالخارج في الوقت الذي كانت فيه القوة الأساس ستأتي من السوريين أنفسهم؛ وقررت البحث عن تمويل الثورة من الغريب، في الوقت الذي كان هناك رؤوس أموال وطنية مستعدة لدفع الكثير من أجل مستقبل أفضل للوطن؛ وأسلمت الثورة في الوقت الذي كان أهم ميّزة لهذه الثورة أنها انطلقت بعيدًا من دائرة الدين والإثنية والمذهبية والقومية؛ واستلم قيادتها الأعلى صوتًا والأقوى نبرة والأشد شعبوية، في الوقت الذي كانت تحتاج فيه الثورة إلى الأقوى منطقًا وحجّة وحكمة وحنكة سياسية؛ وقررت القطيعة مع روسيا، في الوقت الذي كان هناك احتمال -ولو بسيط- لإقناعها بالبدائل، وانفصلت عن الواقع، كما كان النظام السوري دائمًا منفصلًا عنه.

قالها نيرودا يومًا، شاعر تشيلي الراحل: “يموت ببطءٍ من لا يقرأ، ومن لا يجيد الاهتداء بعينيه، ومن يصير عبدًا للعادة، ومن يسير على نفس الطريق كل يوم، ومن لا يركب المخاطر ليحقق الأحلام”.

هي إذًا معادلة مُعقّدة، فلسفية فكرية سياسية إنسانية، هي الفكر والرؤية والبصيرة المترافقة مع الحماسة والاندفاع والرغبة في التغيير، كل منها يُكمّل الآخر، وهو ما لم تهتد المعارضة السورية به.

وفي ظل الظرف الراهن الرديء، وضبابية المستقبل، وانكفاء الحلفاء عن دعم الثورة السورية، وتسلّط حلفاء النظام وتمددهم، وغياب صوت كل المعارضة السورية بأطيافها، وانكشافها وضياعها، في ظل كل ذلك؛ على كل من لا يزال مؤمنًا بأهداف الثورة وضرورتها، خصوصًا من السياسيين والمفكرين والنخب بكل اختصاصاتها، الدعوة إلى البحث عن طريق يعيد الأمل بإمكانية تحقيق أهداف الثورة، أو جزء منها على الأقل، والتفكير بأساليب واقعية منطقية علمية، تستند إلى فكر المفكرين وخبرة الخبراء وحنكة السياسيين، فالتغيير الجذري في هياكل المعارضة السورية صار ضرورة، والتغيير في مساراتها وأساليبها صار واجبًا، كي تستطيع مقارعة نظام أمني شمولي طائفي منفلت، قبل أن يفوت الأوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق