أدب وفنون

ويطلّ صباحُ يومٍ جديدٍ.. صباحٌ بصوتِ الحديد

ويطلُّ صباحُ يومٍ جديدٍ، أسرِّحُ نظري من خلال النافذة التي تطلُّ على مستودع الحديد؛ بواباته العالية، مانعات الصواعق، النوازل المَطَرِّيّة.. والحديد. تتعالى الأصوات؛ ضجيج الآلات والعربات وأصوات العمال. وتنخفض الأصوات؛ أصوات العمال، ويبقى الضجيج، ضجيج الحديد، مع وصول الشمس إلى قبة السماء وخط العرق إلى أسفل الظهر. كنتُ أنظر إلى الطرف الآخر، أحاول أن أجول ببصري إلى ما خلف الجبال؛ ترى كيف كان ليلهم؟ لم أستطع سماع نشرة الأخبار ذلك الصباح. ترى، هل اختلط الدم بالحديد، الليلة التي مضت، أيضًا؟ هل عاد الجميع إلى منازلهم يا ترى؟ كم سقط منهم؟ سيخرجون هذه الليلة، على ما يبدو، وقد طردوا الخوف من دمهم. وسيخرجون بعد هذه الليلة أيضًا. وسيخرجون هذا النهار، وسيخرجون بعد هذا النهار كذلك.

أيقظني من شرودي صوت انسحاق الحديد الذي تسحبه القبضات، إنه صباحُ يومٍ جديدٍ، لكنه صباحٌ بصوت الحديد.

حين كانت تظهر العيِّنات الملتقطة من الشوارع على شاشات تلفزيوننا العتيد، وتطالب بـ “الضرب بيدٍ من حديد”، كنت أسأل نفسي: “كم رددوها على مسامعهم لكي يحفظوها ويعيدوا ترديدها على مسامعنا من جديد؟”. كنت أتذكر مستودع الحديد وأشعر أن يد الحديد تخرج من كلمات هذه العيِّنات وتضرب على رؤوس الناس وعلى رؤوس العيِّنات، من دون تفريقٍ بين الرؤوس، كأن الجديد هو القديم وأن الجديد ليس بجديد. كم هو ثقيل صوت الحديد على آذان العمال، يا لقساوته التي تسرق أصواتهم بعد ساعات قليلة من حلول الصباح! إنها ثقيلة قبضة الحديد، لكنها من الخفة أنها لم تمنعهم من الخروج، على الرغم من كل هذا الحديد في كل يوم جديد، اليوم الذي بلون الحديد.

مرّ الزمن وصار ما صار، واختلط الدم بالحديد والحديدُ بالدم، كنتُ واقفًا وصديقي على ناصية الشارع قرب منزلي، حين خرج من سيارته وتوجه صوبنا كمن وقع على كنزٍ، أو من انقضَّ على فريسةٍ. ومن دون أن يسلم عليَّ، احتضن صديقي الذي كان واقفًا بجانبي، طابعًا سيلًا من القبلات على وجنتيه ومختتمًا مهرجان القُبل بقبلة أخيرة على الكتف الأيمن (وهي التي لم أفهم معنًى لها منذ أن ظهرت، بغتةً، حتى الآن). من موقعه الوظيفي، ربما يستطيع صديقي مساعدته في استخراج وثيقةٍ تثبت إعاقته.. فقدانه.. موته.. أو عودته إلى رحم أمه، علَّ ذلك ينجيه من السَّوق إلى الخدمة الاحتياطية التي لم يكن يتصور أن دوره سيحين ويساق إليها. كان يرمقني بين الكلمة والأخرى، يهمس لصديقي.. ثم يرفع وتيرة صوته، ربما لإقناعه.. ثم يعود للهمس. يعلم أني أسترجع صورَ هجماته على من وُسموا معارضين في القرية. ويعلم كم بدا الآن عاريًا أمامي أو أمام نفسه. عرف صديقي ما يجول في خاطري، حدَّثني عن حالات كثيرة مماثلة وختم: “الجميع يريد الحرب، على ألا يكون هو من سيخوضها”، وقلت: “الكل يريد أن يضرب بيدٍ من حديد، لكن ليس بيده هو”.

في غربتي، وعلى حين غرَّةٍ، ومن دون أن يرسل لي طلب صداقة على “فيسبوك”، أرسل لي رسالة على “ماسينجر”، هي رسالة من آخر شخصٍ أتوقع منه مراسلتي. كدت أن أحذف الرسالة من دون قراءتها، إلا أن الفضول دفعني إلى قراءتها. سلامٌ سريعٌ، وطلب للمساعدة على إخراج أولاده من البلاد، بعد أن أنهوا دراستهم وتخرجوا في الجامعة، حيث أصبحوا جاهزين للسوق إلى الخدمة الإلزامية مباشرة. لا بد أنه مخطئ في الوجهة التي أرسل إليها الرسالة، فقد انقطعت بيننا الصلات على إثر النقاشات السياسية اليومية التي لم يكن يجد رادعًا من أن يختتمها بتوجيه الاتهامات، وأحيانًا بالسباب والتهجم. لم أكن أرغب في كسر خاطره بالتمنع عن الرد عليه، إلا أنني لم أستطع منع نفسي من استفزازه:

ولكن لماذا لا تريدهم الالتحاق بالجيش وأداء خدمتهم الإلزامية؟

كان فاقدًا الحماس الذي تملكه تلك الأيام، وبدا شبهَ منكسرٍ حين أجاب بسؤالٍ: “وهل تضمن عدم موتهم، إن ذهبوا إلى الحرب؟”.

ألم تكن من أول المهلِّلين للحرب والضرب بيدٍ من حديد؟

أجاب كمن اكتشف خطأه ولا يريد البوح به: “لم أكن أعلم أنها ستوصل البلاد إلى ما أوصلتها إليه”.

ماذا؟ إنها الحرب يا عزيزي، الحرب التي لا يستطيع حتى مطلقوها التكهن بأشكال نهاياتها أو توقيت هذه النهاية.

بدا يائسًا، حين قطع المحادثة بطلبٍ ملحٍّ: “أريد منك طريقًا للخروج”.

البحر يا عزيزي، دعهم يأتون إلى هنا عن طريق البحر، كما فعل مئات الآلاف من السوريين.

أجاب: “ولكن، في البحر قد يموتون”.

احتمال موتهم في البحر أرحم وأقل من احتمال موتهم في الحرب، أو إماتتهم الآخرين.

لم يرد على كلامي، ولم يودَّعني، ولم يضمَّني إلى قائمة أصدقائه على “فيسبوك”، ربما ما زال يريد الضرب بيدٍ من حديد، لكن ليس بأيدي أولاده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق