تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

نظام الأسد وتناقض الموقف من حلفاء الاحتلال الإسرائيلي

تتواصل موجات اعتداء الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي السورية، على الرغم من الهيمنة الروسية على سورية، وتسلّم نظام الأسد منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة إس 300، التي تؤكد جميع الأخبار السورية والروسية والدولية عدم استخدامها، حتى اللحظة، في أي عملية أو محاولة تصدي لهذه الاعتداءات. وكأننا أمام واقع جديد يمنح الاحتلال ضمانات سياسية وعسكرية روسية، تخوله قصف الأهداف والمواقع التي يشاء، وفق أجندته الخاصة. وهذا ما يطرح العديد من التساؤلات عن طبيعة العلاقة السورية الروسية داخل الوسط المؤيد للأسد، ويحثّ على إعادة التدقيق في كيفية تعاطي نظام الأسد مع الاحتلال، بما يخدم مصالحه ومآربه قصيرة المدى والبعيدة.

ومن المفيد اليوم استعادة خطاب وموقف النظام ومحور الممانعة، من الحركة الثورية السورية التي وصفوها بأنها “مؤامرة خارجية” تستهدفهم جميعًا، انطلاقًا من ضرب وحدة ومكانة سورية، كمقدمة من أجل تفكيك المحور نهائيًا. لذا أفضت جميع تحليلات محور الممانعة إلى نهاية واحدة، تتمثل في اعتبار الثورة السورية وغالبية مظاهر الاحتجاج الشعبية مؤامرة دولية عمومًا، وأميركية و”إسرائيلية” تحديدًا، وكأنهما المحرك الحقيقي لهذه الاحتجاجات، وللثورة بجميع تمظهراتها العسكرية والسياسية والاجتماعية والإعلامية. وبناء على ذلك، تمّ الترويج أن محور الممانعة يواجه أدوات الاحتلال داخل سورية، وأن الانتصار عليهم سوف ينقل المعركة إلى مرحلتها النهائية، عبر ضرب وهزيمة الاحتلال ذاته.

في حين يصمت النظام عن جميع الاجتماعات واللقاءات الرسمية الروسية – “الإسرائيلية” التي تتم على أعلى المستويات الرئاسية والتقنية، وكأنها لا تعبّر عن طبيعة توجهات ومصالح من يعتبره حليفًا استراتيجيًا: روسيا، والأهم أنه يغض النظر عن البيانات الصحفية الرسمية المنبثقة من هذه اللقاءات، التي تؤكد -بكل صفاقة ووقاحة- أهمية التنسيق الروسي “الإسرائيلي” في سورية، من أجل منع حدوث اصطدامات أثناء غارات وقصف الأراضي السورية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، كما يؤكد الروس فيها حرصهم على إطلاع الاحتلال على تفاصيل الأزمة السورية والحلول المقترحة، كي يأخذ الجانب الروسي مصالح الاحتلال بعين الاعتبار، قبل توقيع أي معاهدة دولية أو سورية لحل الأزمة. وقد يحاول البعض حجب نور الشمس الساطع بواسطة غربال، مدعيًا أن حلف الممانعة لا يتضمن الحليف الروسي، لكنه يتناسى عمدًا، وعن سبق إصرار وترصد، كلّ الصلاحيات التي قدّمها نظام الأسد عربونًا لحليفه الروسي، وأهمها قاعدة حميميم الجوية.

لم تعُد روسيا مجرد دولة صديقة تتمتع ببعض المزايا الاقتصادية والثقافية، وتقدم خدماتها في المجالات التنموية والعلمية الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، بل غدت دولة تحتل، أو تتمركز عسكريًا داخل سورية، وتحظى بعثتها العسكرية باستقلالية وحماية قانونية ولوجستية كاملة، فضلًا عن نفوذها وهيمنتها الاقتصادية، وانتزاعها القرار السيادي السوري، داخليًا وخارجيًا، بعد أن باتت المقرِّر الأول والأخير لجميع الاتفاقات المبرمة، سواء مع الدول الخارجية مثل تركيا، أو مع بعض قوى المعارضة المسلحة، كاتفاق المصالحة في درعا وغيرها من المدن والبلدات السورية، وهو ما يوضح طبيعة العلاقة معها، ويوضح مدى عمقها أو مدى الخضوع لها. ولا نحاول تسليط الضوء على مجمل العلاقة الكامنة، بين روسيا والاحتلال الإسرائيلي، ولا نحاول التأكيد على أهمية وأولوية الموقف الأخلاقي على المصالح الاقتصادية والسياسية، لأننا نعلم جيدًا ثانويته بالنسبة إلى روسيا وأميركا والعالم، وطبعًا بالنسبة إلى الأسد، بل نحن نتحدث عن نقطة وحيدة في هذه العلاقة، هي نقطة التوافق الروسي الإسرائيلي، على سورية الأرض والشعب، توافق قائم على ضمان تفوق الاحتلال وتمدده، سياسيًا وعسكريًا، إلى داخل سورية من دون أي مواربة أو تحايل.

بالتالي، لم تحل حماية روسيا لجميع مصالح الاحتلال الإسرائيلي داخل سورية، دون خنوع النظام الأسدي لها، كما رضخ النظام الأسدي لجميع الخطوات الروسية التي تكفل تمدد النفوذ الإسرائيلي داخل سورية، من طبيعة تسليح وهوية القوى العسكرية المرابطة في مناطق التماس الحدودية مثل محافظة درعا، مرورًا بسيطرة الخبراء الروس على قرار استخدام المضادات الجوية السورية الحديثة (إس 300) إلى العديد من الأمور التي سوف تكشف مستقبلًا، وتحدد دور روسيا في قولبة مؤسسات الدولة السورية الخاضعة لها، بما يلائم حليفهم الأهم وربما الوحيد في المنطقة: “إسرائيل”، وخصوصًا المؤسستين الأمنية والعسكرية. بينما يبحث النظام دائمًا عن أي جهة أو شخصية معارضة، مهما كان ثقله السياسي والإعلامي والشعبي مهملًا، إن كانت ذات توجهات تحابي الاحتلال الإسرائيلي، أو ذات نشاط مشترك مع إحدى المنظمات والجهات المتحالفة مع الاحتلال، كي يتم تجريم كل المعارضين، وجميع الفئات الشعبية المحتجة والمعارضة والثائرة.

طبعًا، لا نقصد الدفاع عمن يحابون أيًا من القوى التي تحتل سورية أو تُسيطر على جزء منها؛ من “إسرائيل” إلى روسيا، مرورًا بتركيا وأميركا وإيران، وخصوصًا من يتبنون منهجية النظام الأسدي المتناقضة في تخوين أو تقديس الجهات والأشخاص وفق مصالحهم الخاصة، حيث أصبحت هذه الخاصية جزءًا عضويًا من منهجية جميع الأطراف السورية الخاضعة لنفوذ ومصالح القوى الخارجية، الذين يكيلون بمكيالين متناقضين أحدهما للسوريين المختلفين معهم، يقوم على اتهامهم بالخيانة والعمالة والتبعية من دون الحاجة إلى أي إثبات لهذه الاتهامات الخطيرة، والثاني لداعميهم وأسياد نعمتهم المحصنين من أي خطأ أو خطيئة.

الأمر الذي دفعنا إلى محاولة تسليط الضوء على واحدة من أكاذيب النظام العديدة، التي استخدمها منذ اليوم الأول لسيطرته العسكرية على سورية حتى اللحظة، فدائمًا ما كان الترويج لعمالة وعلاقة أي جهة أو شخصية مع الاحتلال الإسرائيلي ذريعة حاضرة، من أجل ضرب جميع المعارضين علمانيين وشيوعيين وإسلاميين وليبراليين، فلا حاجة حتى لإثبات هذه التهمة، بل يكفي ترويجها وتعميمها وتضخيمها، حتى تتحول إلى حقيقة مثبته ودامغة. وهي المنهجية التي استخدمها النظام بعد اندلاع الثورة السورية، كي يبرر تدمير الأرض والمدن والبلدات السورية، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ والرجال من السوريين المدنيين المسالمين داخل البيوت والمدارس والأسواق وأماكن العمل، عبر القذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة، أو بالأسلحة المحرمة دوليًا كالأسلحة الكيميائية، أو داخل السجون والزنازين والمعتقلات السرية، أو من البرد والجوع والتشرد داخل وخارج سورية، الذي دفعهم إليه إجرام ووحشية هذا النظام. في مقابل صمته الكامل والمطبق على جميع اعتداءات الاحتلال نزولًا عند أوامر سيده الروسي، وخوفًا على كرسي الحكم الأغلى والأعز على قلبه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق