هموم ثقافية

تماثيل لأجل البشرية!

النحت أو صناعة التماثيل فنّ مرموق، وظفَتْه المدنيات المتعاقبة والحضارات المزدهرة، لتخليد رموزها وأبطالها، لكن هذا لا يعني أن كل التماثيل التي رأيناها أو سمعنا أو قرأنا عنها تعكس حالًا من حالات التمدن، أو ترسم نموذجًا من نماذج الإشراق، فقد اعترى التفكير البشري لأسباب متعددة حال أو أكثر من حالات الانحراف أو الانزياح؛ فَعُبِدت التماثيل لذاتها، بعد أن كانت رمزًا لشخصية مهمة، أو انعكاسًا لحال حضارية مشرقة، وليس لدينا مثال أدل تعبيرًا على حال الانزياح والتدهور غير قصة الأعرابي الذي بنى صنمًا من التمر ليعبده، وعندما جاع التهم صنمه المعبود. وتشبه هذه الحال حال الأعرابي الآخر الذي نحت صنمًا، وظل يطرق فيه، ويتأمله عن بعد، إلى أن رأى ثعلبًا يمر به، ويبول عليه؛ فأنشد يقول في لحظة من لحظات الإشراق الفكري:

أَرَبّ يبول الثعلبان برأسه/ لقد هان من بالت عليه الثعالب

ومع ذلك، لا ننكر القيمة الفنية للتمثال بوصفه منحوتة جمالية تعكس وجهة نظر صاحبها تجاه موضوع من المواضيع الجمالية، أو موقفه من قضية من قضايا الفكر الإنساني بجوانبه المتعددة؛ ولهذا السبب نُعْجَب بصور بعض القادة القدماء أو المعاصرين على المسكوكات النقدية، ونشعر بقيمة الجمال الفني، ونحن نتأمل المنحوتات الإغريقية واليونانية والرومانية والعربية القديمة، في بلاد الشام واليمن وبلاد الرافدين ومناطق حضارة ما بين النهرين، ولا سيما إذا كانت المنحوتة لشخصية تاريخية، أسهم صاحبها في إنجازات حضارية مشرقة، خدمت البشرية؛ فخلدت اسم صاحب الإنجاز اعترافًا بقيمته عبر الزمن.

ويحضرني في هذا المجال مجموعة من النماذج الإبداعية التي تتحدث عن فكرة التمثال، وترسم بعض ملامحها سلبًا أو إيجابًا، ففي الحالة الأولى يتحدث الحُصَري القيرواني عن إعجابه بالجمال الطبيعي؛ ويقلب الصورة الفنية ليشبه غزاله/ غزالته بصنم جميل من أصنام الفتنة، التي أولع بهواها، دون أن ينزلق إلى عبادتها؛ حيث قال:

يا ليل الصب متى غده/ أقيام الساعة موعده

رقد السمار فأرقَه/ أسفٌ للبَيْنِ يردده

كَلِفُ بغزالٍ ذي هيف/ خوف الواشين يشرده

صنمٌ للفتنة منتصبٌ/ أهواه ولا أتعبدُه

أما تمثال نزار قباني، فقد كان هائمًا بجمال حبيبته التلميذة؛ ولذلك فضل الصمت والتأمل في جمالها على البوح والتعبير، على الرغم من التماسها من الصنم المتمثل في حبيبها الصامت أن يبوح ببعض مشاعره تجاهها؛ فعبّر قباني عن هذه الفكرة بحوار شعري متخيل، يدور بينه وبين حبيبته، قال فيه:

قُل لي ولو كذبًا كلامًا ناعمًا/ قد كاد يقتلني بك التمثالُ

ما زلتِ في فن المحبة طفلة/ بيني وبينك أبحرٌ وجبالُ

لم تستطيعي بعدُ أن تتفهمي/ أن الرجال جميعهم أطفال

فإذا وقفت أمام حسنك صامتًا/ فالصمت في حرم الجمال جمال

كلماتنا في الحب تقتل حبنا/ إن الحروف تموت حين تُقال

لا تجرحي التمثال في إحساسه/ فلكم بكى في صمته التمثال

غير أن عمر أبو ريشة ينقلنا إلى جانب آخر، ينتقد فيه تقديسَ الأمم تماثيلَها؛ لتصنع منها أصنامًا معبودة، أو لتقبل بها رموزًا لها، مع أن أصحابها لا يمتلكون المقومات الرمزية الحقة؛ للعيش في وجدان أبناء الأمة؛ فقال:

أمتي هل لك بين الأمم/ منبرٌ للسيف أو للقلمِ؟

أتلقاكِ وطرفي مطرقٌ/ خجلًا من أمسكِ المنصرمِ

أمتي كم صنمٍ مجدتِه/ لم يكن يحمل طُهر الصنم

لا يلام الذئبُ في عدوانه/ إن يكُ الراعي عدو الغنم

وقبل أن أسرد قصة كتبتُها منذ زمن، كانت بعنوان (تمثال من أجل الوطن) أسأل القارئ الكريم، أي تمثال من التماثيل المذكورة في المقال كان أكثر إشراقًا بين النماذج المعروضة؟ وها أختم المقال بقصتي القديمة التي جاء فيها:

جميعُ القادة العظماء تُصنَعُ لهم التماثيل على صهوات الخيول، ومن شكل الفارس على صهوة الجواد، نتذكر شيئًا من بطولاته وتضحياته، بوصفه فارسًا شجاعًا؛ فإذا كان الحصان قافزًا برجليه الأماميتين في الهواء نعرف أن الفارس مات شهيدًا في أرض المعركة، وإذا كان الحصان يرفع رجلًا أمامية واحدة نعرف أن الفارس مات متأثرًا بجراحه بعد المعركة، هذا شأن الأبطال جميعهم إلا قائدنا المعاصر؛ محبوب الجماهير الفارس الذهبي المهندس المظلي، فقد صنعوا له تمثالًا على حصان مجنح يطير في الهواء، ويعلوه غبار الذهب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق