مقالات الرأي

التنجيم والمستقبل والأسد العنيد

في السنوات القليلة الفائتة، كان بشار الأسد عصيًا على التنجيم، وعلى توقع المستقبل علميًا، على حدٍ سواء. فالرجل الذي راهن كثيرون -في بداية الثورة- على مرونته جلبَ الخيبة للمتفائلين بمستقبل أفضل للبلاد. ومع احتدام الصراع، خيّب الأسد توقع الكثيرين بالخروج المفاجئ من المعادلات، بإرادته أو رغمًا عنه. وفي السنوات الأخيرة، تحوّل الأسد إلى صفة لازمة لسورية، حيث سيعاني السوريون إلى وقت أطول من الطبيعي، لاستيعاب اختفائه المفاجئ من المشهد، في حالة الوفاة الطبيعية، على غرار ما حدث مع كثير منهم، عام 2000، مع وفاة والده الذي حكم وعيهم الجمعي، قرابة ثلاثة عقود من الزمن، حتى كان التوريث لابنه أمرًا مستساغًا لغالبيتهم.

فيما فقد معظم العامة من السوريين، وكثير من الموالين، أيّ رهان متفائل على موقف يراعي المصلحة العامة، يصدر عن بشار الأسد، وحدهم المُنجّمون استمروا في الرهان على مرونة مُنتظرة سيُبديها الرجل، لترتيب مستقبل أفضل لسورية، واتفق بعض أشهرهم، هذه السنة، مع اتجاه دول عربية بارزة، في الرهان على الأسد ضد إيران، في سورية.

يتفق التنجيم مع علم المستقبليات في اعتماد “الاحتمالات” كأداة رئيسة لتوقع المستقبل. لكنهما يفترقان عن بعضهما في المنهجية المعتمدة لاختيار أحد الاحتمالات كسيناريو مرجح لحالة راهنة. وفيما تفرض متطلبات تسويقية الخيارات المحتملة للمنُجّمين، يبقى المشتغلون في علم المستقبليات مضطرون إلى ربط الماضي بالحاضر، ليكونا ركيزة لتوقع المستقبل.

بإسقاط ما سبق على الحالة السورية، يكون من المفهوم لماذا يراهن رموز تنجيم عرب على مرونة الأسد. فمستقبل أفضل للبلاد لا يمكن أن يحدث دون ذلك. سواء كان بقرار من الأسد نفسه، أو رغمًا عنه. وهو ما يتفق معه أشد الموالين للأسد حماسةً، ممن يُحكّمون قواعد المنطق في توقّع المستقبل. لكن، في علم المستقبليات، يصبح رهان كهذا غير مفهوم، خاصة مع دراسة ردات فعل الأسد على التحديات التي واجهته، وواجهت البلاد، خلال السنوات السبع الماضية. فهذا العلم لا يستند إلى متطلبات تسويقية، تضطر المُنجّم إلى إطلاق توقعات تفاؤلية إلى حدٍ ما، بحيث لا يُنفّر فئات واسعة من متابعيه. كما أن علم المستقبليات لا يستند إلى قواعد المنطق المعروفة، ذات الطابع الجدلي. بل يستند إلى حقائق الماضي بصورة أساسية. والماضي عادةً ما يكون صارمًا للغاية في نمطيته، فبشار ابن أبيه، ولتعرف كيف سيتصرف، راجع ماذا فعل والده في حالات مماثلة. الأمر الوحيد الذي يُتيح احتمالات متعددة للمستقبل، في علم المستقبليات، هو تفاعل الماضي النمطي مع معادلات الحاضر. هذا التفاعل هو الذي يفتح الباب لمفاجآت المستقبل. لكن ذلك يكون صحيحًا في البعد الموضوعي للحاضر، وليس في الجانب الشخصي منه. فبشار الأسد لن يُبدي مرونة لترتيب مستقبل أفضل للبلاد، بدوافع شخصية مطلقًا. ذلك قد يحدث فقط، إن كانت هناك ظروف موضوعية يفرضها الحاضر عليه، رغمًا عن إرادته.

لذلك، إن كنا نبحث في ردات فعل بشار الأسد المُتوقعة خلال العام 2019، من منظور علم المستقبليات، لا يمكن لنا أبدًا أن نتوقع مرونة قد تنقص من موارد النفوذ والسيطرة التي يملكها في الوقت الراهن، إلا إذا كان ذلك نتاجًا لظروف خارجة عن إرادته. توقع المرونة، كبادرة شخصية منه، يمكن أن يقول به منجّمون، أما دارسو المستقبل بمنهجية علمية، فلا يمكن أن يتوقعوا المرونة، لأسباب ترتبط بالمصلحة العامة، بوصفها إحدى تطورات شخصية بشار الأسد في المستقبل. فذلك الاحتمال سقط بضربات قاضية عديدة، خلال السنوات السابقة، ولم يعد ضمن إطار المُفكر به، في أوساط صنّاع السياسة ودارسي مستقبلها. فـ بشار الأسد، تمامًا كما وصفه كريستوفر هيل، الدبلوماسي الأميركي المُخضرم، يشبه “آل بوربون” الفرنسيين: “لم يتعلم شيئًا، ولم ينسَ شيئًا، خلال السنوات الثماني عشرة التي أمضاها في السلطة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close