مقالات الرأي

نهايات الصراع ونهايات الحياة في سورية

هناك تهديدات شديدة لـ (هيئة تحرير الشام) ستفضي بالضرورة إلى تفكيكها أو تصفيتها؛ الحشود التركية تتكثف على حدود إدلب، و(فيلق الشام) المنسوب إلى الإخوان المسلمين، والمرتبط بتركيا، يتضخم، وتنضم إليه فصائل ومجموعات مدحورة أو خائفة من (الهيئة)، وهناك تسريبات تؤكد عودة حركة (الزنكي) إلى أماكنها، ولكن بعد تغييراتٍ في قيادتها، بما يفرض سيطرة تركية كاملة عليها، كما حال (الجيش الوطني) و(الجبهة الوطنية للتغيير).

إن (هيئة تحرير الشام) هجّرت حركة (الزنكي)، من دون حربٍ حقيقيةٍ، وبحجة عدم تسليم المطلوبين لديها، وبالتالي يمكن إجراء ضغوط تركية على (الهيئة) لتعود حركة الزنكي لمواقعها؛ النظام وروسيا يشددان الحصار أيضًا. (الهيئة) ذاتها، عبر الحوار الأخير مع الجولاني 14 الشهر الجاري، حاولت تغيير جلدها مرة جديدة، بعد أن غيرته عدة مرات في السنوات السابقة، وذلك عبر تغيير الاسم والانصياع لشروط أستانا وسوتشي، وهي الآن، بلسان أميرها، تؤكد تسليم البلدات وإدلب المدينة إلى إدارةٍ مدنيةٍ، بالتعاون مع أكاديميين وسواهم ليسوا من (الهيئة)، وأيضًا تؤكد مرونة مواقفها للتعامل مع كافة القوى في إدلب وريف حلب الغربي.

(الهيئة) تتجه نحو هذه الأفكار، بسبب الحصار التركي والروسي المُشدّد، ولأنها تعلم أن نهاية الصراع وُضعت على طاولة التفاوض، وصار عليها الخضوع الكامل للشروط الروسية والتركية والعالمية، ولكن هل يمكن للهيئة محاربة تنظيم (حراس الدين) وتفكيك الحزب التركستاني الإسلامي، والتخلص من الجهاديين الذين فيها، والتحول الكامل؟! على كل حال، الهيئة موضوعة على قائمة التصفية الدولية، وهذا لن يتم التراجع عنه، وهو سيتحقق إمّا عبر تدخلٍ تركي أو تركي – روسي، أو عبر شكل من أشكال الحرب والتصفيات الأمنية، وتؤدي إلى عدم تغيير الوضع في إدلب.

كافة سيناريوهات المنطقة الآمنة أو العازلة، بين تركيا والمناطق التي يفرض حزب الاتحاد الديمقراطي سلطته عليها، تفيد بتخفيف أو انسحاب الحضور الأميركي ورعاية مصالح تركيا، وتحجيم دور هذا الحزب، وأن صفقة روسية تركية ستُعقد لإدارة شرقي الفرات، بما يرعى المصالح الأميركية هناك. الخلافات الروسية الإيرانية التي اندلعت حربًا سريعة ومحدودة شمال سورية، وكذلك السماح الروسي لـ “إسرائيل” بقصفٍ جديدٍ لمواقع “حزب الله” وإيران في سورية، أقول تؤكد كل هذه المعطيات على حسم خيارات الفوضى والحرب، والاتجاه نحو تحديد أكثر دقة لمصالح الدول المتدخلة في سورية، وإغلاق باب الصراع العسكري، والاتجاه نحو تسويةٍ سياسية ترعى مصالح الدول، بإشراف روسي على الوضع السوري بشكل عام. إذًا سيتم تهميش إيران في سورية، وتحويل الفصائل التي يُشرف عليها الاتحاد الديمقراطي الكردي، إلى “قوات شرطة محلية” وربما تصفيتها، وبالتالي هناك إشرافٌ دوليٌّ بقيادة روسيا على كافة المدن السورية، سواء أكانت تحت سيطرة النظام أم خارج سيطرته.

أزمة الغاز، والمازوت، والكهرباء، أعلنها فنانون معروفون بولائهم للنظام: “أيمن زيدان، شكران مرتجى، وآخرون”، ورأينا تذمرًا شعبيًا واسعًا في جبلة واللاذقية، من الفساد والنقص الحاد في الحاجات الأولى للمواطنين، وسمعنا سخرية دفينة وكلامًا ناقدًا، ويرفضون من خلاله البقاء صامتين، وهم يموتون يوميًا. ليس مهمًا هنا أكان الفنانون مدفوعين من أجهزة الأمن لتنفيس غضب الشعب أم لا، فقد قالوا حقًا، ولو أرادوا به باطلًا، فكيف إن كان ما قالوا ليس فيه أيَّ باطلٍ؟ ربما سيلتف النظام على كارثة الوضع المعيشي ببعض التفجيرات، كما يتوقع البعض، ويُصوِّر للشعب أن الخطر لم يزل قائمًا بعد، وعليهم تحمل المعاناة مجدّدًا.

إن انهيار الحياة “الاجتماعية والاقتصادية خاصة”، لا يمكن إسكاته ببعض التفجيرات، فالتذمر الشعبي أصبح حادًا، والدخل لا يتناسب مع الأسعار، والأخيرة في ارتفاعٍ مستمر، وفضلًا عن ذلك، لم يعد من مبررات للصمت؛ فالحرب أنهت “الإرهابيين”، وبالتالي أين المكافأة التي سينالها الشعب الموالي أو الصامت! الأخبار عن أوضاع حلب أو اللاذقية أو جبلة أو طرطوس وبقية المدن السورية، تؤكد انهيار مختلف أوجه الحياة المعيشية، وأن المدن هذه على أبواب احتجاجات شعبية، وربما تتأخر، ولكن الوضع قابل للانفجار الشعبي.

المناطق التي تحت سيطرة (هيئة تحرير الشام)، أو الاتحاد الديمقراطي أو تركيا ليست أفضل حالًا، والتذمر يتضاعف فيها كذلك، وبالتالي ما يُسكت الشعب ليس قوة القمع وتعقيدات المشهد الدولي والإقليمي إزاء سورية فحسب، بل كذلك غياب مشروعٍ وطنيٍّ يتجه إلى السوريين كافة أينما كانوا، وبعيدًا من اللغة الطائفية أو الثأرية، أو السخرية من صمت الموالين والرماديين، أو التبعة للخارج.

حيث نتكلم عن غيابٍ المشروع الوطني، لا بد من الكلام عن المعارضة، وكذلك عن الأحزاب المدجنة تحت سيطرة النظام. أحزاب النظام “داخل الجبهة وخارجها”، لا يمكن التعويل عليها خارج تعليمات الأجهزة الأمنية، فهي شُكلت بهدفِ تهميش المعارضة، وبالتالي ليس من دور سياسي مستقل لها. المعارضة المُشكلة مما انضوى في هيئة التنسيق الوطنية والمجلس الوطني ولاحقًا الائتلاف الوطني، وهيئة التفاوض، وسواها، ومما أعلن انضواءه تحت أجنحة الثورة، أيضًا أصبحت مهمشة، فهي لم تمتلك مشروعًا وطنيًا مستقلًا، وخضعت لأشكال متعددة للدول الإقليمية أو رحّبت ببعض الاحتلالات، ومن كان وطنيًا بامتياز، ظل هامشيًا بجدارة… هذه المعارضة تسلطت على الثورة، وسقطت في تبني أهدافها وقيادتها نحو تحقيق أهدافها.

النظام هو سبب كل مأساة سورية، وهو بدوره أصبح أداةً بيد كل من روسيا وإيران، وبالتالي هناك مشكلة، وهي افتقار سورية إلى جهة وطنية تقودها نحو مشروعٍ وطنيٍّ ومناهض للاحتلالات، ولمختلف أشكال السلطات الاستبدادية “النظام والفصائل” والسير بالسوريين “معارضين وموالين ورماديين” نحو تحقيق وضع سوري أفضل.

البلاد تتجه نحو إنهاء الصراع، ونحو الخضوع للاحتلالات، ومن ناحية أخرى هي مُقدِمة على تفجرٍ اجتماعي جديد، بسبب حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، والأخيرة بدأت تطل برأسها هنا وهناك، وبالتالي هناك ضرورة لتشكيل معارضة جديدة، تتجاوز كل أشكال الانقسام المجتمعي والسياسي، وبعيدًا من الرهانات الكارثية للنظام والمعارضة.

سورية الآن في حالة انهيارٍ كبير، وهي قابلة للثورة مجددًا، وهناك ثورات شعبية تتجدّد في مختلف الدول العربية، فهل بمقدور العقل الثوري الاستفادة من جملة الشروط الجديدة، وتجاوزها، وتشكيل قوى وطنية جديدة، وتحقيق مصلحة السوريين في بلدٍ لا تحكمه الاحتلالات ولا أدواتها؟ الأمر معقد للغاية، ولكن دون ذلك، لدينا تجربة العراق واليمن ولبنان وسواها كثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close