سلايدرقضايا المجتمع

التماس العدالة تحت سقف المقامات

شبكة واسعة من القبور والأضرحة المقدّسة والمقامات شكّلت جزءًا من النواة الروحية لمجتمعات المشرق العربي، فمسألة الاهتمام بالأموات وتقديس قبور الملوك لها أهميّتها في طقوس وشعائر الحضارات السالفة من البابليين والفراعنة وغيرهم. وعلى الرغم من تغيّر تجليّاتها، فإن هذا الاهتمام ما زال قائمًا ويجرّ خلفه ميراثًا شعبيًا من فترات التوحيد القديمة وعقائد ما قبل الإسلام، بأشكاله البدائية في حوار الأرض والسماء، وفي البحث عن روابط ملموسة ووسائل للتقرّب بين العابد والمعبود. فالمجتمعات المشرقية -بخصوصيّاتها الدينية- لم تنقطع عن إيمانها بالمقدّسات المتجسّدة على شكل أشخاص أو أعراف وتقاليد، يتّخذ منها كل مجتمع شكلًا مناسبًا ومتناغمًا مع طبيعة تكوينه التاريخي والروحي.

على الرغم من ظهور الإسلام الذي يُعدّ أقلّ الديانات تجسيدًا، واعتبار بعض فرقه الدينية تقديسَ القبور ونذر النذور للأضرحة وطلب الشفاعة عملًا مخالفًا للشرع؛ فإن هذه الظاهرة لم تنقطع كإرث ثقافي وطقس روحي في التواصل بين الإنسان والخالق. فطلب الشفاعة من الأولياء، الأموات منهم والأحياء، وزيارة القبور والأضرحة المقدّسة، استمرّت كجزء من التقاليد الاجتماعية ذات الإرث الديني، واتخذت رمزيّتها الكبيرة ومنزلتها كأماكن للتبرّك واستجلاب الخير وملجأ للحماية والأمان.

بعيدًا من مسألة النهي أو التأكيد من قبل الأديان السماوية، فمكانة القبور والأضرحة المقدّسة، شكّلت راسبًا ثقافيًا يتماشى مع حاجة الناس إليها في البحث عن العدالة، عدالة الانتصار النهائي والكلي للخير على الشرّ والحقّ على الباطل، لتصير غير قابلة للمساومة لدى العديد من الطوائف والمذاهب في المجتمعات العربية ككل، وفي سورية خصوصًا، حيث يكثر التنوّع الديني وتزداد أماكن التبرّك والقبور والأضرحة حضورًا، وتتخذ وزنها الكبير في التراث الشعبي لدى العديد من الفرق الدينية والمذاهب سنّة وشيعة وإسماعليين ودروز ومسيحيين، فلكل دين محرابه ومقدّساته. وإن كانت أكثر المراقد والمقامات تُنسب إلى “الطائفة الشيعية” التي اتخذت من ظاهرة زيارة الأئمّة والأولياء طقسًا دينيًا له تأثيره الواضح في الحياة الاجتماعية، باعتباره استجارة بسلطة لا تغمض عينها عن الحقّ والعدل، وقادرة على ردّ المظلومية التي تبنّت الطائفة الشيعية مسيرة استرجاعها منذ تعرّضها للظلم إبّان العهد الأموي، ورسّختها في المناحات واللطميات الجماعية، لتأكيد الولاء الديني والتنفيس عن الآلام. فالخيال الشعبي غالبًا ما يتفحّص لون القهر ويبادر إلى استراد الماضي وإعادة دمجه بالحاضر وتصعيد دوره وفاعليته، في تأكيد المظلوميات الاجتماعية، التي لا يُسلّط الضوء عليها رغم إشارتها الواضحة إلى قصور السلطة الحاكمة، دينية كانت أم مدنية، في وظائفها وعدم إقراراها بعجزها وفشلها، واختيارها لعب دور القمع لإخضاع المجتمعات، لا خدمتها.

أما الإشكالية الأكبر التي رافقت انتشار المقدّسات الشيعية، في العديد من المناطق، فقد تجلّت في تحويلها إلى حسابات سياسية تحدّدها مصالح دنيوية لا علاقة لها بالمقدّس، إنما تتماشى مع سياسة إيران على نشر التشيّع والتعبئة الدينية الطائفية، وذلك يبدو جليًّا في ما تتبعه إيران في تدخّلها بالعراق وسورية، وتوظيفها للعامل الديني الطائفي تحت ذريعة “الدفاع عن المقدّسات الدينية”، الذي لن يشكّل سوى فتح باب خلفي لكثير من حروب الأديان المستندة إلى هذا الإطار والتي لا يمكن إخمادها، فهي تعطي المسيحيين حقّ شن الحروب حفاظًا على مقدّساتهم الكثيرة، كذلك تعطي لليهود الحقّ في خوض الحرب على يثرب وقلعة خيبر أو العراق، من أجل الوصول إلى بابل ومقام النبي حزقيال، والأمر نفسه بالنسبة إلى مقدّساتهم في مصر وفي إيران، وتعطي البوذيين حقّ شنّ الحرب على أفغانستان لحماية ما تبقى من مقدّساتهم، لتصير المقدّسات وحمايتها مداخل لحروب قاتلة، لدى كافة الديانات الكبرى التي يدين بها البشر، وعددها نحو 19 ديانة، تنقسم إلى 270 مجموعة دينية مختلفة، ولكل ديانة مقدّساتها الخاصة التي يمكن أن تندلع حرب كبيرة، إذا ما مسّها ضرر ما.

منذ اندلاع الحراك السوري؛ بدأت مرحلة جديدة من النفوذ الإيراني المتمثلة بالتدخل العسكري، مهّد لها التغلغل الثقافي والمذهبي، حيث جلبت عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات الشيعية مع عوائلهم، من العراق وأفغانستان وباكستان ودول أخرى، وعملت على توطينهم في مناطق عدة من دمشق وضواحيها، كما تمدّدت ديموغرافيًا من خلال شراء العقارات على أطراف المقامات الشيعية في دمشق، كما باشرت إيران تحت إشراف حسن بلارك القيادي في فيلق القدس، في نيسان/ أبريل 2018 بإعداد مشروع لتوسيع مجمع مرقد السيدة زينب جنوب العاصمة السورية دمشق، وتوسيع مرقد السيدة رقية بنت الحسين في منطقة دمشق القديمة أيضًا، وذلك بالتنسيق مع منظمة (يونسكو) نظرًا إلى وجود أبنية تاريخية في المنطقة.

الارتباطات العميقة في تلمّس الأضرحة والمقامات لاستجداء الحماية وتخفيف الآلام، لم يخفت بريقها مع مرور الوقت، بل اتسعت مظاهرها في أوقات الحرب والمحنة، وبرزت في الأرياف أكثر من المدن، حيث كثرت فيها زيارة الأولياء وتزايد الدعاء لردّ البلاء، وتعدّدت المرويات التي تتحدث عن كرامات وعجائب تظهر لروّاد المزار، وهو ما أشارت إليه (رويترز) في مقال بعنوان (الدماء لا تجفّ في مزارات العلويين) كدلالة على كثرة النذور، وتضاعف عدد زوار المقامات مع كثرة المصابين من المقاتلين. فطلب العدالة الإلهية يلازم الإنسان المقهور في توقه لوجود سلطة قائمة على احترام الفرد والسماح له بالتقدم بشكواه وتحقيق رجائه، وإن كان عبر واسطة، والصور الخيّرة للأولياء وكراماتهم وبركتهم، والأدعية وغيرها من وسائل التقرب منهم، تملأ الإنسان المقهور بأمل القدرة على التصدّي لواقعه، والتحكّم في مصيره بمقدار ما يتّخذ من هذه الرموز حلفاء له. إنها التعبير الصامت الذي يتّخذه البسطاء لتأكيد حاجتهم إلى الحماية، ويبرز كتقليد ديني يُحِلّ جبروتَ الرجاء محلّ قوة الفعل التغييري، وروحيةَ الاستجداء والاحتماء محلّ المطالبة بالحقّ.

التوجّه إلى المزارات، بحثًا عن الحماية والأمان، قد لا يدلّ على التديّن بقدر ما يدل على الخوف من الوضع الراهن وترقّب المستقبل، إذ يلجأ المجتمع إليها؛ كلما بدا له الحاضر أشدّ قتامة من الماضي للبحث عن العدالة الغائبة. فالجرائم التي تُرتكب تحت نظر القانون ودون محاسبة، ناتجة عن انفكاك السلطة عن المجتمع، وعجزها عن تقديم المساعدة، وفي ظلّ عدالة مغيّبة؛ كان البديل البحث عن العدالة تحت سقف المقامات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق