سلايدرقضايا المجتمع

أحمد الزعبي (ماسح الأحذية): فلسفة حياة وموت فاقع

ليست هذه المرةَ الأولى التي يموت فيها طفلٌ سوري أو يُقتل، سواء في لبنان أو غيره من دول اللجوء المحيطة بسورية أو أوروبا؛ فما زالت مقاطع الفيديو التي سُرّبت عن تعذيب أحد الأطفال اللاجئين السورين في بيروت ماثلةً في الأذهان، كما تلك التي تحدثت عن مقتل شبان سوريين في تركيا، وقد تحدثت تقارير عدة عن استغلال لجوء السوريين، بطرق غير صحية تتجاوز حد المعروف منه إنسانيًا، خاصة في ما يتعلق بالزواج، ولا سيّما زواج القاصرات، مع تجنب التعميم في هذا الموضوع الشائك. ويبدو أن المسألة السورية باتت عبئًا على الجميع، وبات الجميع يحاول التخلص من أعبائها وتركتها الثقيلة، بكافة الطرق والوسائل السياسية منها والقانونية، في معترك دولي قاتم المشهد، أول أهم مظاهره أنها كارثة إنسانية كبرى وسياسية أيضًا، تطال النظم المعرفية والإنسانية التي استوت عليها البشرية، في حقوق الإنسان والمواطنة وحق تقرير المصير والإغاثة والحماية ورعاية الطفولة، في بدايات القرن الحادي والعشرين.

في بيروت الشقيقة، بيروت الدولة التوأم التي عانت ويلات الحروب الطويلة وموجات النزوح المتعددة، بيروت التي احتضنت بالأمس مؤتمر الاقتصاد العربي، وفق مؤشرات سياسية واقتصادية عدة، ثمة تفارقٌ بين خط سياسي وآخر فيها، بين خط يحاول التسريع في علاج موضوع اللاجئين السوريين بأي طريقة، والضغط عليهم بطرق غير إنسانية، كما يجري اليوم من حرق لخيام لجوئهم وتنكيل بهم، وقد حدث ذلك غير مرة! وبين خط يلتزم معايير الإنسانية والحل السوري الكامل لعودة اللاجئين السوريين بأمان لأرضهم، ومنهم من يُقدم -بكل طيب ومحبة- على مساعدة السوريين، وتأمين حاجاتهم للاستمرار وتحمل كلفتي اللجوء وظروف الطقس المريرة؛ ليأتي طرح المؤتمر الاقتصادي، على لسان رئيس جمهوريتها (ميشيل عون) كحل موارب في هذا السياق، من خلال ابتكار فكرة المشروع الرقمي العربي الاقتصادي، والمساهمة في إعادة الإعمار السورية، دون الأخذ بعين الاعتبار الحل السياسي أولًا، وفق قوانين الأمم المتحدة وبخاصة (جنيف 1) والقرار 2254/2015 لمجلس الأمن، كذر للرماد في العيون، هذا مع العلم أن ما من سوري يرغب في بقائه لاجئًا خارج وطنه، لكنه اليومَ بين أمرَين أحلاهما علقم، فكيف السبيل؟

ذكرت تقارير سابقة لمنظمة (يونيسف) والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حول وضع اللاجئين السوريين في لبنان، أن 69 بالمئة منهم يعيشون تحت خط الفقر العام، وأن العواصف والثلوج الأخيرة أوصلت حالتهم الإنسانية والمعاشية إلى درجة فاقعة إنسانيًا، فهل كان السوريون عبئًا على دول الجوار؟ ربما كانوا عبئًا سياسيًا واقتصاديًا، لكن هذا غير مدقق كفاية، فبرامج الأمم المتحدة، بحسب تقاريرها الدورية، أوضحت عدد فرص العمل التي فتحها موضوع اللاجئين السوريين، وكمية المنظمات التي أنشئت في دول الجوار على أرضية إغاثة السوريين، وكمية الموارد التي تدفقت إلى تلك الدول وتحريك اقتصادها في ذلك خاصة في قطاع التعليم، وكان آخرها ما تبرعت به دولة قطر منفردة، بمبلغ خمسين مليون دولار لإعانة السوريين في ظروف البرد الحالية في لبنان! من جهة أخرى معظم السوريين يعملون لسد رمق عيشهم واتقاء السؤال، من هذه الزاوية حصرًا يمكن معالجة قضية الطفل السوري أحمد الزعبي ابن الأربعة عشر عامًا، الذي وُجدت جثته متفسخة، بعد ثلاثة أيام من موته، وقد نشرت الصحافية والناشطة اللبنانية مجدولين لحام مقطع فيديو، يظهر مطاردة شرطة البلدية اللبنانية للطفل أحمد الزعبي، بغية منعه من العمل، وذلك داخل إحدى البنايات في شارع (تلة الخياط) في بيروت، ليسقط بعدها في منور البناية، وتختفي جثته ثم يُعثر عليها متفسخة بعد ثلاثة أيام!

أحمد الزعبي كان يعمل ماسح أحذية، يكسب قوت يومه وقوت أسرته من خلفه، أحمد الزعبي -كأي طفل سوري- اكتفى بعمله هذا لكيلا يلجأ إلى التسول وسؤال اللئام في كسب قوته. نعم، خرق هذا الطفل القانون الأممي الذي يحرّم عمل الأطفال، لكنه أسس لقانون وفلسفة في عصر الانحطاط هذا، وهي فلسفة الحياة الكريمة، فلسفة أن تكبر وأنت صغير السن، أن تصبر على الجوع، لا أن تقبل بالمهانة والذل، أن تختار في وجودك المعتم هذا طريقَ أمل وبصيص حياة، في إعادة إنتاج الحياة من مهنة البويجي وماسح الأحذية.

ياكوب بوهم الفيلسوف الألماني الشهير، فيلسوف الفكر المثالي الذي يعتبر بفلسفته المثالية المستقاة من الأفلاطونية أحد أهمّ المؤثرين في الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل، وفي جدل المطلق والمثالي لديه، ياكوب بوهم كان حذّاء وصانع أحذية (إسكافي، كندرجي) أيضًا، كان يكسب قوته من عمله، لكنه -بحسب النص الفلسفي والحياتي- كان صانع الحياة وجابرها، كان صاحب القيمة، حين تكون قيمة الإنسان في عمله لا في طبيعة مهنته، وفي العصر الحديث نجد أن الدول العصرية تصنع تماثيل لعمال النظافة وعمال الطرقات، كما في اليابان، بينما ما تزال بلداننا تصنع التماثيل للسادة والرؤساء، وما تزال بيروت أيضًا تتظاهر من أجل نظافة شوارعها، لا ضد قلوب وفكر ثلة من سياسيها!

الفلسفة الحق هي فلسفة الإنسان البسيط، وقد تجلّت في عمل ذي قيمة، والحضارة الحق هي في قدرة القانون على ضبط معاييره الإنسانية والمادية أيضًا، والوجود الحقّ هو وجود الإنسان في عالم قيمِه الإنسانية متمثلًا لها معرفة وعملًا وسلوكًا، ولم يكن عمل أحمد سوى عملٍ ذي قيمة وجودية عليا، كان ينبغي أن تراعى وتحترم، لا أن يُلاحَق صاحبُها ويُعذب ويقضي دونها حياته، في مغالطة تاريخية كبرى عنوانها: سوريون وسط كارثة عالمية كبرى، فعلى أي الشقيقين نميل؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق