هموم ثقافية

عينٌ هنا، عينٌ هناك

كاتبُ قصَّة عربيّ، رائدٌ من روَّاد هذا الفن، اسمه حاضر على امتداد عالمنا العربي؛ يعثر -مصادفةً- على مخطوط له، كان -في شبابه- قد حاول كتابته كرواية، لكنَّه لم يفلح؛ فنراه -اليوم- وقد سارع إلى نشره، مشفوعًا بمقدّمة توضيحيّة عن زمن وظروف كتابة النص، ثمَّ يُصدره ولكنْ من دون أن تضاف صفة الروائي إلى اسمه!

وشاعرٌ، اجتمعت لاسمه وشعره عوامل الشهرة والنجاح، وصار على اللائحة الرئيسة للدعوات إلى المهرجانات الثقافيّة العربيّة؛ يتعثَّر بأطباق من ورق مقوَّى في زاوية من غرفته، تضمُّ بعض الخطوط والألوان؛ فنراه يُعاجل إلى الاتّفاق مع صالة عرضٍ، بعد أن يطلب من أشهر أصدقائه الرسَّامين كتابة تقديم لمعرضه، ويجري الافتتاح بحضور مُحبّي شعره؛ من دون أن يُعدَّ رسَّامًا حتى لدى جمهوره!

وروائيٌّ، أصدر الكثير من الروايات -ذات الجزء الواحد والأجزاء المتعدّدة- بحيث بات من الصعب ذكر فنّ الرواية في العالم العربيّ من دون إدراج اسمه في مقدّمة الروائيين؛ نراه -وقد تذكَّر أنه نظم بعض الكلمات والجُمل على شكل شعريّ في شبابه- يهرع إلى دار نشر لإصدار “ديوان” كُتب على غلافه: قصائد للروائي الكبير فلان؛ غير أن روائيّنا هذا لا ينال لقب شاعر!

وفنَّان تشكيليّ، له حضوره وقيمته الفنيّة المتميّزة في هذا الميدان، يعنُّ له أن يراجع أرشيف رسومه ومحفوظاته القديمة من الأعمال الأولى، فيُباغَت بوجود كتابات غير مكتملة مما يُفترض أنه قصص؛ فنراه يُعاجل إلى إصدار مجموعةٍ قصصيَّة، من دون أن يُذكر قاصًّا في أيّ دراسة نقديَّة!

وعلى المنوال ذاته، سنجد المغنّي، والعازف على آلة موسيقيّة، والمخرج السينمائيّ، وزميله التلفزيونيّ، والممثّل على خشبات المسارح، ونظيره على شاشات التلفزة، ومُهندس الإضاءة، وزميله مهندس الديكور، ومُصمّم الأزياء… وغيرهم من المشتغلين في حقول إبداعيّة متنوّعة.

السؤال الاستفهامي: ما الغرض من ذلك، وما المرجو منه؟ ألأنّ حقلًا -أدبيًّا أو فنيًّا- واحدًا لا يكفي؟ أم لأنَّ الرضى عن نتاج الحقل لم يتحقق لديهم؟ وإذا كنتُ غير راضٍ عن نتاجي في الحقل الذي اشتغلتُ فيه، أفسيُرضيني تجريبي المُبكّر الفجّ في حقل آخر؟ أم أن القصد -كما درجت العادة على القول- يكمن في توفير مادةٍ للنقّاد والدارسين، تساعدهم في تسليط الضوء على الجذور الأولى والبئر الأولى للمبدعين، والحال أن معظم هؤلاء ما انفكوا يشتكون -المرة تلو المرة- من تقصير النقد والنقاد، في متابعة أعمالهم الراهنة، وتناولها بالدراسة والتحليل!

ولعلَّ مما يفيد في موضوعنا ما نُقل عن نجمَيْن من كبار المبدعين العرب: نجيب محفوظ ويوسف إدريس، حين سُئل إدريس عن فنّ الرواية؛ قال -مع أنه كتب عددًا من الروايات- “إنَّ الروائي الحقيقي هو نجيب محفوظ”؛ وحين سُئل روائينا عن قصصه؛ لم يتردّد في التأكيد أن فنّان القصة القصيرة هو يوسف إدريس، من دون شك.

فهل قالا ذلك من باب التَّكلّف وتبادل المجاملات في ما بينهما، أم من حقيقة معرفتهما لنفسيهما حقَّ المعرفة، وقبل هذا -وهو الأهمّ- من عميق إدراكهما أن المرء في عصرنا بالكاد يستطيع حمْل عبء جنس أدبيّ أو لون فنّيّ واحد، ويتمكّن من الإبداع في ميدانه، والارتقاء بمنجزه، والإضافة النوعيّة إلى ما سبقه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق