اقتصادسلايدر

كما يكون لبنان تكون قممه الاقتصادية

كغريق يتعلق بقشة، هكذا هي حال لبنان، يتنقل من مؤتمر إلى مؤتمر، حذرَ الانهيار، كثيرة هي المؤتمرات الدولية التي عُقدت لمساعدته في تفادي ما يحذر، إلى درجة يمكن معها القول إن كثرة وتعدد تلك المؤتمرات جعلته يتصدر قائمة (غينس) للأرقام القياسية.

أرادوها قمّة، ليخفوا بها عار عجزهم وانقساماتهم، فكانت قمة فضحت حقيقتهم ونيّاتهم، أرادوها قمة ليثبتوا للعالم أنهم دولة وسلطة ومؤسسات، وإذ بها دولة قبائل وطوائف وميليشيات، كل الوقائع والمعطيات تشير إلى أن مقاطعة غالبية الحكام العرب لهذه القمة، ومن ثم فشلها على هذا النحو، إنما يعود لهيمنة الهوى الطائفي الميليشياوي على القرار اللبناني.

كم يشبه هذا المؤتمر لبنان! كم يشبه سلطته الطائفية والسياسية الحاكمة اليوم، بتصرفاتها، وإنجازاتها ومنتجاتها، لم يترك لبنان قيمة من القيم إلا تاجر بها، من المقاومة إلى العروبة إلى المتاجرة بالدين، كما المتاجرة بالإنسان وكذلك الأوطان.

حتى عذابات اللاجئين السوريين ومآسيهم تاجر بها لبنان، وفي كلمته أمام مؤتمر بروكسل الأخير لدعم دول اللجوء السوري، قال رئيس الحكومة سعد الحريري إن لبنان تحول إلى “مخيّم كبير”، وإن على المجتمع الدولي دفع مبلغ من 10 آلاف إلى 12 ألف دولار، عن كل لاجئ.

لذلك يردد هو وبقية المسؤولين اللبنانيين بأن عدد اللاجئين لديه أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ سوري مسجل، على الرغم من أن الرقم الحقيقي لا يتجاوز مليونًا ومئتي ألف سوري، وفقًا لمعظم التقديرات.

حتى بات لبنان يتنفّس على المؤتمرات الدولية، للبقاء على قيد الحياة. لن نتحدث بهذه العجالة عن مؤتمر الطائف 1989 الذي صاغ النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية والمذهبية، فحوّل البلاد إلى مجموعة إقطاعيات سياسية وإمارات حرب وميليشيات مسلحة. ولا عما جناه لبنان من عشرات مليارات الدولارات من مؤتمرات باريس الثلاثة (2001، 2002، 2007) فاستكهولم، آب/ أغسطس 2006 إلى باريس (2017) ثم باريس (2018) ولا عن مؤتمري روما (2014، 2018) لدعم قوات الأمن والجيش اللبناني وتعزيز قدراته. فضلًا عن مؤتمري بروكسل (2017، 2018) لحشد الدعم الدولي لعملية السلام في سورية، ومساعدة اللاجئين السوريين في بلادهم وفي الدول المضيفة، والذين لم يكن الغرض الأساس منهما سوى نجدة لبنان بالدرجة الأولى من الانهيار، من ثم مؤتمر الاستثمار اللبناني – البريطاني في لندن (كانون الأول/ ديسمبر 2018) إلى غيرها من مؤتمرات كثيرة ليس هناك متسع لذكرها في هذا المقال.

وليس انتهاءً بالمؤتمر الاقتصادي العربي الذي انعقد في بيروت في العام الماضي، ثم مؤتمر القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية الذي بدأ أعماله قبل أيام، وهو يهدف -كما بات معلومًا للقاصي والداني- إلى الإبقاء على لبنان حيًا في غرفة العناية المركزة، على حد وصف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري.

لن ندخل في تفاصيل أعداد الدول والمؤسسات الدولية الكثيرة، التي ساهمت في تلك المؤتمرات لدعم لبنان بالمنح والقروض، ولا عن حجم المليارات التي قُدمت له أو وُعِد بها خلال تلك المؤتمرات، ولم تكن -بالقطع- دون قيد أو شرط. وإنما سنتحدث قدر المستطاع عن اللبنانيين أنفسهم، عما قدّموه في سبيل ضمان مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، من توافقات سياسية وإصلاحات اقتصادية وخدمية، للمحافظة على لبنان كدولة، بما يضمن الوفاء بمتطلبات وشروط تلك الدول والمؤسسات، قبل أن يطالبوا هذه الأخيرة بما قطعته من وعود وتعهدات مالية.

في مؤتمر باريس 3 الذي انعقد في كانون الثاني/ يناير 2007 لدعم لبنان بمشاركة 40 دولة و14 مؤسسة مالية دولية، من بينها صندوق النقد الدولي، حصل لبنان على تعهدات بلغت قيمتها ما يقارب 7.6 مليار دولار، لدعم تطبيق البرنامج الإصلاحي للحكومة، مقابل التعهد بتنفيذ سلسلة إصلاحات هيكلية وبنيوية، من بينها العمل على إصلاح قطاع الكهرباء، تمهيدًا لخصخصته على المدى المتوسط، وخصخصة كل من قطاع الاتصالات والنقل (صحيفة النهار 12 نيسان/ أبريل 2018).

كذلك كانت الحال في مؤتمر باريس (سيدر) نيسان/ أبريل 2018 الذي شارك فيه 48 دولة ومنظمة، إلى جانب العديد من ممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، حيث تعهدت الدول المانحة والمجتمع الدولي بتقديم قروض إجمالية للبنان بقيمة 10,2 مليار دولار، منها 9,9 مليار، على شكل قروض ميسرة سيقدمها البنك الدولي، إضافة إلى قرض آخر بقيمة 4 مليارات دولار على 5 سنوات، لتمويل مشاريع استثمارية.

من جانب آخر، مؤتمرا روما لدعم قوات الأمن والجيش اللبناني كانا بمشاركة ما يقارب 80 دولة ومنظمة دولية حول العالم، بشرط أن يعلن لبنان بوضوح وقوفه تحت مظلّة القرارات الدولية، وأبرزها القراران 1559 و1701 المتمثلان بحصر مهمة الدفاع عن لبنان بالمؤسسات الشرعية اللبنانية فقط، وضبط السلاح المنفلّت.

لذلك جاء تصريح رئيس الجمهورية الجنرال ميشيل عون خلال استقباله المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، قبل إجراء الانتخابات النيابية التي جرت في أيار/ مايو 2018، كمن يضحك على نفسه، بأن عملية البحث في الاستراتيجية الدفاعية (أي البتّ بموضوع سلاح حليفه “حزب الله”) ستنطلق بعيد تلك الانتخابات. ولا يعدو ذلك أن يكون إشارة إلى المجتمع الدولي، وتحديدًا الدول والمنظمات الدولية المانحة، بأن لبنان إنما يعمل على تحقيق ما تم التعهد به بتلك المؤتمرات.

لكن ما الذي فعله اللبنانيون حقيقةً للوفاء بتلك الشروط؟ الواقع لا شيء يُذكر سوى مزيد من الوعود والخيبات، من الاقتصاد إلى السياسة إلى استمرار الفراغ في المؤسسات، للكهرباء، وصولًا إلى الأوضاع الاجتماعية المتردية الناتجة عن مصادرة الدولة، إلى جانب تفشي حالات الفقر والبطالة والفساد، وهي تزداد سنة بعد أخرى، وفقًا للأرقام المعلنة.

تشير التقارير الصادرة عن مُنظّمة الشفافية الدولية، والجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، إلى أن لبنان كان يحتل المرتبة 134 من بين 175 بلدًا في العالم عام 2014، في حين كان يحتل المرتبة 127 بالعام 2013 فضلًا عن الانهيارات الأمنية التي يتعرض لها لبنان، بين كل حين وآخر.

بذلك، فإن الوضع الاقتصادي اللبناني على شفير الانهيار، ويزداد سوءًا عامًا بعد آخر، وسيزداد بكل تأكيد في هذا العام والأعوام القادمة، في ظل عدم وجود خطة اقتصادية للحكومة واستمرار العجز والهدر والفساد في كل الملفات، إضافة إلى تراجع النمو، وتراجع الإنتاج في القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية.

هذا الاستعصاء بكل شيء تراجعت معه المؤشرات الاقتصادية، حيث ارتفع التضخم إلى 7 في المئة، فانخفضت القدرة الشرائية لدى اللبنانيين، إضافة إلى إقفال نحو 3 آلاف مؤسسة، صعد على إثرها معدل البطالة إلى 35 في المئة، في حين ارتفعت نسبة الفقر بين اللبنانيين إلى 30 في المئة، وفقا للخبيرة الاقتصادية فيوليت بلعة (القدس العربي 26 كانون الأول/ ديسمبر 2018).

فاقد الشيء لا يعطيه، لا أحد يسيء اليوم إلى لبنان أكثر من اللبنانيين أنفسهم، بسبب الانقسامات وتعدد الولاءات للخارج، لدرجة أن اللبنانيين لم يسبق لهم أن اتفقوا على مسألة من المسائل، منذ أن تأسس الكيان اللبناني في العام 1920 عندما افترقوا إلى فريقين: الأول أخذ يتشبّث بالمستعمر الفرنسي، والآخر تمسك بالقومية العربية.

بكلمته الترحيبية التي ألقاها بمأدبة العشاء التي أقيمت على شرف مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرفة، أثناء زيارتها للبنان منذ عامين تقريبًا، تحدث ممثل “التيار الوطني الحر” التابع للرئيس عون، عن متانة الروابط التاريخية التي تجمع بين فرنسا ولبنان، وقال إن الموارنة أرسلوا إلى الملك لويس 25 ألف مقاتل منهم، لمساعدته في حملته الشرقية، وإن الدم اللبناني اتحد -منذ ذلك الوقت- بالدم الفرنسي.

لذلك، لا عجب أن يستمر هذا التناحر والانقسام في المواقف، بين مختلف الأطراف السياسية اللبنانية، بدءًا من الوجود الفلسطيني، الذي كان السبب في تفجُّر الحرب الأهلية (1975 – 1990) فالوجود العسكري السوري، إلى الموقف من المحكمة الدولية الناظرة في اغتيال الحريري الأب، إلى الموقف من سلاح “حزب الله”، من ثم تبعيته وأجندته الخارجية، فالحرب “السورية-السورية”، وسياسة الناي بالنفس التي طالب بها بعض الفرقاء اللبنانيون، إلى مشكلة اللجوء السوري، إلى أزمة القمامة، فانتخاب الرئيس، فتشكيل الحكومة، فتعيين قائد للجيش، إلى توقيع مرسوم الضباط، لقانون التجنيس وغيره.

ليستمر هذا الانقسام وهذا التشظي في معرض التحضير لعقد مؤتمر اليوم، ففي حين أصرّ الرئيس عون وصهره جبران باسيل على ضرورة انعقاده، ليُظهروا للخارج أن هناك دولة ومؤسسات، من جهة، ولإعطاء إشارة للمجتمع الدولي حول جديّته في التجاوب مع متطلبات الدول التي شاركت وستشارك في مؤتمرات الدعم، خصوصًا لجهة الالتزام بوعود الإصلاحات التي اشترطت القيام بها تلك الدول، فإن حليفهما “حزب الله” دعا إلى تأجيله لضمان إلغاء قرار تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، كي تتمكّن من الحضور، بدورهم أنصار رئيس البرلمان نبيه بري قاموا بمنع ليبيا من المشاركة في المؤتمر، ليس ذلك فحسب، بل قاموا بإحراق العلم الليبي، ورفع علم حركة أمل بدلًا عنه، فضلًا عن التهديدات التي أطلقوها أنه بحال حضور الوفد الليبي فإنهم سيدعون مناصريهم في كل لبنان للتظاهر وقطع طريق المطار لمنع دخوله.

لنصل إلى نتيجة لا تقبل النقاش، مفادها أن عدم قدرة لبنان على استئصال الأسباب الناجمة عن مصادرة الدولة، وعجزه عن القيام بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، جعل لبنان في مهب العاصفة، خصوصًا مع عدم القدرة على تشكيل الحكومة، بعد مدة تجاوزت ثمانية أشهر، من تكليف الحريري بتشكيلها.

ترافق ذلك مع ازدياد حجم الدين العام، الذي يحتل لبنان بموجبه المرتبة الثالثة على لائحة البلدان الأكثر مديونية في العالم، حتى قيل إن المواطن اللبناني يولد وفي رقبته ما يُقارب 12 ألف دولار من الديون العامة.

وبذلك فإن لبنان يدفع اليوم ضريبة انقساماته وولاءاته الخارجية، يدفع ثمن بقاء سلاح الميليشيات خارج نطاق الدولة، وهي تحمي البعض من الملاحقات القضائية، وباختصار: إنه يدفع ثمن كرسي الرئاسة وتوريثها، التي لم يكن لها أن تكون، لولا صفقة التحالف المبرمة، بين الجنرال عون و”حزب الله”، عام 2006.

ختامًا لقد سبق لأبي الدستور اللبناني ميشيل شيحا أن نبّه اللبنانيين بقوله: لكي يستمر لبنان متماسكًا زاهرًا، فإنه لا بد من تمثيل صحيح للمجالس، حتى لا يفقد الحكم شرعيته، فتحل القوى غير النظامية محل الدولة.

مع الأسف، لقد ابتلعت تلك القوى اليوم لبنان، لم يتعلم اللبنانيون من كبارهم، ولا من تجاربهم المريرة التي أضاعت الدولة، بسبب تغولّ الميليشيات الطائفية عليها وابتلاعها، بل يتواطأ مسؤولوها ويسكتون، عن تأسيس ميليشيات جديدة بلباسها الأسود، بحجة محاربة الفساد والزبائنية السياسية والدفاع عن النفس.

ليبقى لبنان “دولة رخوة”، على حد وصف عالم الاجتماع السويدي جينار ميردال، التي تقوم بإصدار التشريعات والقوانين، لكن غير معنية بتطبيقها، سوى ما يتعلق بمصالح النخبة الحاكمة فيها، التي تبقى عصية عن المحاسبة، ليبقى لبنان عرضة للرياح العاتية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق