مقالات الرأي

من أجل دور سوري فاعل في سورية

باتت الشجاعة أكثر من مطلوبة في العمل، من أجل فتح الأبواب السياسية المغلقة، الشجاعة التي تبررها الوقائع الجديدة التي بات يتحكم فيها غير السوري، ولم يعد من الممكن مقاربتها إلا بطريقة إبداعية، نظرًا إلى الحال التي وصلنا إليها، بعد مرور نحو ثماني سنوات على الثورة ضد الاستبداد ومستتبعاتها المأسوية من القمع والتطرف ومذهبة الصراع المعزز بالتدخلات الإقليمية والدولية.

في معالجة الواقع السوري الحالي، لا يفيد الرجوع إلى الماضي القريب إلا لأخذ العبر، وقد وصلت كل المحاولات السياسية إلى طريقٍ مسدود ومرتهنٍ للخارج. ومع أنه لا يمكن العمل إلا وسط شبكة العلاقات الدولية والإقليمية المهيمنة في سورية حاليًا، أرضًا وسياسات، فإن مقاربة مختلفة ولصيقة بالواقع السوري باتت ضروريةً، ويجب أن تتصدى لها قوى سياسية بديلة تطرح برنامجًا لتغيير الحالة المأزومة في مختلف أنحاء سورية، بعد أن أضحت معارضات الدول ومنصاتها عاجزة عن تحقيق أي شيء ملموس في هذا الصدد، ما يستدعي ظهور اللاعب السوري الجديد ليقتنص المصلحة السورية من بين كل هذا الأيادي، مستندًا إلى دعم شريحة واسعة من السوريين الذين حيّدهم الصراع الدامي، وباتوا تواقين إلى تمثيل سياسي يعيدهم إلى الواجهة من جديد.

في هذا المسعى، لا بدّ من التوقف عند حدود التحولات غير المواتية التي أعقبت التظاهرات من أجل الحرية والكرامة، بغض النظر عن متاهة الدخول في التبريرات والأسباب، وهي كثيرة ومعقدة، وطيّ صفحةٍ مؤلمة ومهينة من الانقسام والتشرذم، ذلك أن سورية الآن في مفترق طرق، وقد يقود الخطأ في التقاط اتجاه التغيير إلى انتهائها كدولة وجغرافيا، على حدّ سواء.

ومع أنّ الوضع السوري الحالي يشهد ترتيباتٍ دولية، لإنهاء الصراع بما يتوافق مع مصالح الدول ذات النفوذ، إلا أننا لا يمكن أن نتوقع انفراجًا حقيقيًا، ما لم تعد السياسة إلى المجتمع السوري، ويستعد السوريون نضالهم السلمي لاسترجاع حقوقهم الضائعة منذ عقودٍ عدّة. يمكن التحضير لذلك في هذه المرحلة بتشكيل تجمع سياسي نوعي، يطرح برنامجًا عامًا لصورة سورية المأمولة، يتحقق فيه الحد الأدنى من المطالب، ما يمكّن السوريين من توسيع دائرة اختيارهم في أي انتخابات قادمة.

يجب ألّا يتناقض برنامج التغيير الذي قد يتبناه التجمّع الجديد، على وجه العموم، مع القرارات الأممية المتعلقة بالشأن السوري، ويكون حاضرًا عند انتقال المهام السياسية من الأطراف الخارجية إلى السوريين أنفسهم في مرحلةٍ ما، فيحضر كقوة انتخابية منافسة. يقطع مثل هذا البرنامج الطريق على محاولات النظام المستميتة للعودة إلى الوراء؛ أي إلى الظروف التي أنتجت الكارثة السورية ذاتها، وبما يشبه محاولة تدوير عجلة التاريخ في الفراغ، مثلما يقف سدًّا منيعًا في مواجهة قوى التطرف الماضوية على اختلافها.

يمكن أن ينطلق برنامج التغيير المنشود للتجمع الوطني الإنقاذي، من المقدمات التالية:

  1. الخروج من ثنائيتي المعارضة -النظام، والداخل- الخارج المتقادمتين، والتوجُّه إلى السوريين جميعهم في الدعوة إلى التغيير الذي لن يكون إلا تغييرًا ديمقراطيًا يتجاوز محاولات العودة إلى الماضي القريب أو البعيد على حدّ سواء.
  2. اعتبار أي قوى خارجية هي قوى احتلال طارئة على الساحة السورية، ورفض وجود أو تكريس القوى المحلية المدعومة من الخارج، والعمل على تحييد كل جهة سياسية أو عسكرية تعتمد أجندات غير سورية، أو فوق وطنية، قومية أو أممية.
  3. الاستقلالية المرنة أو الحيادية المدروسة في التعامل مع الدول ذات النفوذ في سورية، واتخاذ المواقف تبعًا لقرب هذه الدولة أو تلك من الأهداف والمصالح السورية، والعمل على التقاط تقاطعات المصالح الدولية واستغلالها لتعزيز التوجه السوري الجديد.
  4. التأكيد على وحدة الجغرافيا السورية، بما في ذلك الجولان، كحق وطني غير قابل للمساومة، فلا دولة سورية ناجزة من دون سيادة.
  5. الإصرار على الوسائل الدبلوماسية كمبدأ عام لحلّ النزاعات الخارجية، إلا في حالة الدفاع عن النفس، مع اعتماد التعاون الاقتصادي الإقليمي كطريقة بعيدة، المدى للتخفيف من حدّة أزمات المنطقة.
  6. إتاحة العمل السياسي لجميع السوريين بلا استثناء، ضمن الإطار الديمقراطي الوطني، وبحسب ما سيقرّه الدستور السوري المنتظر اعتماده في الأيام المقبلة، وتبنّي التنافس السياسي السلمي في الداخل، كخيار وحيد وبديل نهائي عن الصراعات المسلحة.
  7. ربط المصلحة الوطنية بمصلحة الفرد -مشروع المواطن السوري- واعتبار حماية حقوقه وأمنه وكرامته جوهر هذه المصلحة.
  8. اللامركزية المشروطة بالمصلحة العامة كخيار نهائي، إلا في ما يتعلق بالمهام السيادية للدولة، كالخارجية والدفاع.
  9. احترام خيارات المكونات والانتماءات ما قبل الوطنية السورية، إن وُجدت، على أن يجمعها ويتجاوزها انتماء وطني سوري تدعمه سيادة القانون ومرجعية مؤسسات الدولة التي تديرها فعاليات منتخبة ومؤهلة.
  10. إعادة هيكلة شاملة لاستيعاب معظم العناصر المسلحة ومأسستها في جيش وأمن وطنيين.
  11. اعتماد التجمع الجديد على التمويل الذاتي المفتوح من الأعضاء، و/ أو على التمويل غير المشروط من أية مصادر أهلية ومدنية.

إنها مجرّد محاولة متواضعة للدفع في اتجاه البحث عن حلولٍ ممكنة، وفتح باب الحوار من أجل تبديد حالة الاستعصاء السياسي، تغنيها التساؤلات المطروحة حاليًا من قبل كثير من السوريين الحائرين والمهمّشين. من أجل هذه المهمة الضرورية، يجب ألا تعوزنا الشجاعة للعصف الذهني، واجتراح الحلول الممكنة والخلاقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق