سلايدرقضايا المجتمع

المرأة السورية تكسر صورتها النمطية

أُرهِقت المرأة السورية بحمل أعباء لا يستهان بها في ظل الثورة، جعلت صورة المرأة السورية تنحصر -في كثير من وسائل الإعلام- بنمط معين هو (المرأة الضحية) إلا أن هناك بعض الأصوات التي تطالب بتلمّس الجانب الإيجابي الذي لن يُدرَك أثره في الوقت الحالي، إنّما ستكتمل ملامحه في مرحلة لاحقة.

يشير تقرير نُشر على موقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بعنوان (نساء بمفردهن) إلى أن “أكثر من 145.000 لاجئة يُدِرن البيوت بمفردهن، ويعملن على تأمين أجرة البيت، وتكاليف إعالة أسرهن”. والمرأة، بتحمّلها هذه المسؤوليات، ستكتسب خبرة لم تكن لتتوفر لها في ظروف أخرى؛ كالثقة بالنفس والاستقلالية والقدرة على اتّخاذ القرارات، ولا شك في أن ذلك الأمر سيؤهلها إلى أن تكون ذات دور في التغيير القادم، وهو مناط طبعًا بإدراك النساء وقدراتهن على حماية مكتسباتهن في أثناء الثورة، كيلا تكون هذه المكاسب ظرفية ومحدودة.

معظم النساء اللواتي فقدن المعيل لا يمتلكن مهارات تؤهّلهن للعمل وكسب العيش، إضافة إلى أن الضغط على المرأة التي أصبحت معيلة لأسرتها يكون أعلى، حيث أدى تغيير أدوار النوع الاجتماعي، وتراجع امتيازات الرجل داخل الأسرة، بحسب تقرير (أوكسفام ومؤسسة أبعاد) إلى “تعبير سلبي عن الذكورة، حيث زادت نسبة العنف ضد النساء والأطفال، مع لجوء بعض الرجال إلى التنفيس عن إحباطهم، فأفرطوا في استخدام سلطتهم داخل الأسرة”.

على الرغم من الضغوط المتنوعة التي تواجه المرأة المعيلة، فإن النساء السوريات استطعن تحدي المستحيل، وقمن بإنشاء بعض المشاريع الصغيرة التي تؤمن لهن ولأسرهن حياة لائقة، في سبيل الحفاظ على أسرهن وكرامتهن، وكثيرًا ما عملت نساءٌ في مجال عمل جديد، لا يتعلق بشهادتها أو خبرتها، وقد أثبتت قدرتها وأدهشت من حولها بقوة إرادتها وثباتها، وخاصة أنها دخلت ميادين عمل جديدة عليها كالإعلام والسياسة.

عن تغيّر أدوار الرجل والمرأة، قال طلال مصطفى، أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق، سابقًا: “إنّ فقد أحد أفراد العائلة، وخصوصًا المعيل، وما يترتب عليه من واقع جديد ومسؤوليات تُلقى على عاتق المرأة؛ دفعها إلى الخروج بحثًا عن فرص عمل، فدخلت مجالات عمل جديدة لم تكن متاحة لها سابقًا، إضافة إلى تربية أبنائها وتحمّل أعبائهم في ظروف صعبة معيشيًا، تحت ضغوط نفسية واجتماعية جديدة، وقد أدى ذلك إلى نقلةٍ في دورها الاجتماعي، لتصبح المرأة عاملًا من عوامل التغيير”.

وأضاف في حديث إلى (جيرون): “الأمر نفسه ينطبق على النساء في الشرائح الفقيرة والمناطق الشعبية والريفيات اللواتي كان العمل في الزراعة المصدر الأول لكسب قوتهنّ، إذ أصبحن فجأة مسؤولات عن تدبير شؤون أسرهن، وقد أدّى الغلاء وهبوط دور الرجل الاقتصادي في الأسرة، إلى خروج تلك النسوة إلى العمل، ليجدن أنفسهن في سياق مختلف تمامًا، لا تكفي مهاراتهن المحدودة أو المعدومة -في كثير من الأحيان- لتدبير الأمور المعيشية اليومية، وقد دفعهنّ ذلك إلى تعلّم مهن جديدة وأعمال يدوية بسيطة، في ظلّ زيادة الطلب على مشروعات كسب الرزق، في محاولة لتوفير بديل للنساء في حدود المهارات التي يملِكنها. ومع أن تطور الأحداث قاد إلى نقلة في أدوار الجندرة داخل المجتمع السوري، لم تكن تلك النقلة تغييرًا جذريًا كاملًا، لكنها فتحت الباب أمام مجالات لم تكن موجودة سابقًا”.

دفعت مهارات النساء المحدودة بعضهنّ إلى المشروعات المنزلية والأعمال اليدوية والتراثية، التي قد تكون في بعض الأحيان نواة لاستثمارات صغيرة، قد تتحول بالعمل والصبر إلى مشروعات كبيرة ومثمرة للمجتمع.

عن هذا النموذج من النساء السوريات اللواتي حققن النجاح، من خلال مشاريع صغيرة، قالت أمل إدريس، الصحفية السابقة في جريدة الثورة، لـ (جيرون): “بعيدًا من الصورة النمطية للمرأة السورية في العالَم التي تُظهرها كضحيةٍ تتعرض للانتهاكات، أو لاجئة ضعيفة في دول الجوار، هناك قصص نجاح كثيرة صنعتها اللاجئات، على الرغم من الظروف الصعبة التي تحيط بهن، حيث لم تجلس المرأة السورية لتندب حظها، أو تتوسل المساعدة، بل عملت وأثبتت ذاتها وقدراتها”.

وأضافت إدريس: “لا ننسَى أن فكرة العمل من المنزل تتناسب مع واقع شريحة من المجتمع السوري الذي لا يحبذ كثيرًا فكرة خروج المرأة للعمل، وقد أسهمت أفكار العمل من المنزل في تشغيل أعداد كبيرة من السيدات السوريات اللواتي واجهن التحديات، وتحمّلن أعباء مضاعفة، من دون أن يحمل ذلك في كثير من الأحيان زيادة في قيمتها الاجتماعية”.

لقد صقلت الثورة شخصية المرأة السورية، وكسرت نساء كثيرات الصورة النمطية التي عادة ما تنظر إلى النساء على أنهن (ضحايا حرب) من دون النظر إلى الجانب الإيجابي، وتمّ توثيق تجاربهن كفاعلات ومقاومات يستطعن إحداث التغيير، بوصفهن أكثر حرصًا على الحياة وإقامة التوازن، في مجتمع تغيّرت فيه كثير من الأدوار، بسبب حربٍ ما زالت تعصف به للسنة الثامنة على التوالي.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close