ترجماتسلايدر

سوريون عالقون في منفى بائس: “لا أحد يمكنه أن يضمن سلامتنا”

على الرغم من الظروف المروعة في المخيمات اللبنانية، معظم اللاجئين يقولون إن العودة إلى الوطن ما تزال غير آمنة

الصورة: عائلة قرقور، صورة خارج خيمتهم في مساكن غير رسمية للاجئين في عرسال. تصوير: يعقوب راسل/ الغارديان

في ثلوج تغوص بك إلى الرُكب، وفي جو شديد البرودة، كان صالح قرقور البالغ من العمر 10 سنوات قد انتهى تقريبًا من شقِ ممر إلى الخيمة التي كانت منزلًا لعائلته طوال السنوات الست الماضية. تجمّع المسنون والأطفال حول مدفأة داخلها، بينما كان دخان مداخن قرية عرسال في أسفل الوادي ينبعث نحوهم.

الحدود السورية، وراء الحافة الجبلية خلفهم، التي فرّت منها عائلة قرقور وكل الناس تقريبًا في هذه البلدة الحدودية اللبنانية. كانت منازلهم منذ ذلك الحين خيامًا مؤقتة، مستمرون في حياتهم بفضل المساعدات وأهل الخير، المساعدات التي كانت تنفد بسرعة على هذه الحافة المتجمدة في أعالي لبنان.

في الوقت الذي ضربت فيه عاصفتان ثلجيتان قاسيتان عرسال ومخيمات أخرى غير رسمية في وادي البقاع اللبناني، خلال الأسبوعين الماضيين، واجه اللاجئون المتجمعون يوم حسابهم: البقاء في بؤس يُهدد الحياة، أم العودة إلى الوطن إلى سورية، كما يناشدهم السياسيون على جانبي الحدود القيام بذلك. كلهم تقريبًا اختاروا البقاء. ويقولون إن المخاطر تظل عالية للغاية.

ويقول مسؤولو الإغاثة إن حوالي مليون لاجئ مسجلين لدى الأمم المتحدة ما زالوا في لبنان، وإن ما يقدّر بنحو 16,000 لاجئ قد عادوا إلى الوطن في العام الماضي. هؤلاء الذين غادروا قاموا بذلك بواسطة المسؤولين السوريين، وأيدّ رحيلَهم المسؤولون في بيروت، الذين يصرون على أن سورية آمنة الآن، وأن لبنان مرهق بالأعباء بسبب وجودهم.

مع تلاشي حدة الحرب السورية، بسبب روسيا وإيران اللتين ساهمتا في استقرار نظام بشار الأسد، كانت دمشق مصممة على الظهور بمظهر الاستقرار والمصالحة. ورددت الكتل السياسية في لبنان المصطفة إلى جانب الأسد التصريحات نفسها، على الرغم من التصريحات المتكررة من مسؤولي الأمم المتحدة بأن شروط العودة غير متوفرة.

عارف الحمصي، أحد سكان أحد مخيمات عرسال، قال: “لا أحد في دمشق أو بيروت أو أي مكان في العالم يمكنه ضمان السلامة من الأسد. إن اللبنانيين الذين يريدون أن يقولوا (إن سورية غدت جنّة) لديهم سببٌ للقيام بذلك: إرضاءُ أسيادهم. هذه أجندة إقليمية وليست لبنانية. أولئك الذين يعودون يواجهون السجن أو التجنيد. [النظام] لن يتصرف بتواضع. سوف يتصرف بروح الانتقام”.

نظرة عامة إلى مساكن غير رسمية للاجئين

إن عدم اليقين بشأن ما قد يحدث داخل سورية، وعدم الثقة بدوافع أولئك الذين يضغطون من أجل العودة إلى الوطن، يعني أن اللاجئين في البقاع اللبناني لا يفكرون بجدية في العودة إلى ديارهم.

الكثيرون فرّوا من مناطق حدودية قريبة مثل بلدة القصير التي احتلها حزب الله، في أوائل عام 2013، ولا تزال معقلًا للجماعة المتشددة. وآخرون أتوا من (فليطا) -وهي على مرمى حجر عبر جبال القلمون- والقرى الحدودية الأخرى التي اعتادت أن تكون نقاطًا للتهريب عبر الحدود.

فاطمة الصفدي، تقف في الثلج خارج خيمتها الجبلية، قالت: “ربح حزب الله القصير. هذا السقف تحطم بسبب الثلج، الأسبوع الماضي، ومنزلنا [في القصير] تحطم نتيجة قنبلة”.

في تركيا والأردن، حيث لا يزال هناك 4,1 مليون لاجئ سوري آخر، يتزايد الضغط عليهم أيضًا للعودة. على الرغم من أنهم لاقوا الترحيب ذات يوم، إلا أن الكثيرين داخل تركيا يقولون إنهم يشعرون أكثر فأكثر بأنهم أمسوا غير مرغوب فيهم.

الأردن، الذي كان في يوم من الأيام مركزًا لإطاحة الأسد، يتكلم الآن بشكل غير مباشر عن المصالحة. في الشهر الماضي، أعادت الإمارات العربية المتحدة والبحرين فتح سفاراتهما في العاصمة السورية. ويضغط المسؤولون الإماراتيون على دول أخرى في جامعة الدول العربية الأخرى لتحذو حذوها، ولإعادة سورية. مثل هذه الضغط -والحقد على اللاجئين- كانا خلفية لقمّةٍ اقتصادية فاشلة لجامعة الدول العربية في بيروت، خلال عطلة نهاية الأسبوع، ولم يحضر فيها سوى قادة موريتانيا وقطر، أمير قطر حضر، ولم يمكث أكثر من ساعتين.

نظرة عامة إلى المساكن العشوائية. تصوير: يعقوب راسل للغارديان

مي السعدني، المديرة القانونية لمعهد التحرير للسياسة في الشرق الأوسط، قالت: “تأتي دعوة الحكومة اللبنانية السوريين للعودة إلى ديارهم، وسط حركة عالمية أوسع نطاقًا، حيث تنهي الدول بشكل متزايد إجراءات الحماية وبرامجها للاجئين، وتمارس عليهم ضغوطًا هائلة للعودة. كما تأتي في إطار محاولة دبلوماسية أوسع نطاقًا لإعادة تأهيل نظام الأسد كحكومة مستعدة للترحيب بشعبها. لكن هذه السياسات، وهذه الحركات مختلفة تمامًا عن الواقع القانوني والاجتماعي والسياسي على الأرض.

“لقد أثبت نظام الأسد أنه ليس مستعدًا ولا راغبًا في الترحيب بعودة السوريين إلى ديارهم، كما تدل على ذلك اتفاقات المصالحة التي ما تزال تُنتهك، وسياسة مكافحة الإرهاب التي لا تزال السلطات تطبقها، ومخططات الإسكان والملكية القانونية التي تُستخدم لحرمان اللاجئين والنازحين داخليًا من منازلهم، والشعور بالحصانة والإفلات من العقاب الذي يتحدث ويتصرف حسبه”.

“تستمر التقارير في إظهار أن السوريين الذين انشقوا عن النظام وعادوا إلى ديارهم يواجهون الاستجواب والتهديدات والاعتقالات التعسفية عند نقاط الحواجز العسكرية، وفي بعض الحالات يواجهون حتى التعذيب والموت”.

في عرسال، يتجنب فريد قرقور أسئلة حول ما قد ينتظره في الوطن، مفضلًا التركيز على ما يتعامل معه هو وعائلته الآن. ويقول: “نحن هنا منذ أكثر من خمس سنوات. هربنا من فليطا، لقد كان هذا الشتاء هو الفصل الأصعب حتى الآن”.

“من الصعب تدبّر الأمور. ليس لدينا وظائف ولا تصاريح إقامة. وقد سحبت منا الأمم المتحدة بطاقات الرعاية الاجتماعية. علينا الآن أن ندفع بطريقةٍ ما ثمنَ طعامنا وغازنا ورعايتنا الصحية. يتقاضى منا مالك الأرض هنا أيضًا أجرة خيمتنا. نحن نفتقر إلى الاحتياجات الأساسية”.

“عندما وصلنا إلى هنا للمرة الأولى، كانت المرحلة الأكثر تحديًا: ما كنا نعرف أحدًا، إنه ليس بلدنا، لم نكن نألف الوجوه السورية المحيطة بنا. وعلى الرغم من ذلك، أصبح الوضع أفضل. تعلّم الجميع التعاون بدافع الضرورة. نحب أن نعود إلى بيوتنا، ولكن لم يعد لدينا بيوت هناك، ولا نملك الوسائل لإعادة بنائها من جديد”.

بول دونوهو، من لجنة الإنقاذ الدولية، قال: “مُورس الضغط لأقصى حدٍ على بعض اللاجئين، وهم يقولون صراحة إنهم يعتقدون أن الحياة أصبحت صعبة للغاية، وربما يكون من الأفضل لهم العودة إلى سورية. ومع ذلك، ما يزال معظمهم يقول إنهم ببساطة لا يعتقدون أن سورية آمنة بما فيه الكفاية لهم كي يعودوا. إنهم يفضلون الاستمرار في تحدي الظروف التي قد يجدها معظمنا لا تُطاق، بدلًا من المجازفة التي تُعرّض عائلاتهم للخطر.

الناس يتجمعون لشراء وقود التدفئة. تصوير: يعقوب راسل للغارديان

أسفل الوادي في عرسال، عبد الحكيم الشهابي، وهو بالأصل من القصير، يقول: “لا أستطيع العثور على وظيفة في أي مكان. أنا مدين للسمّان/ البقال بجانبنا بنحو 100 دولار. هددني بالتوقف عن إعطائي الخبز، إذا لم أبدأ سداد الدين. كيف يمكنني العودة إلى مدينتي من دون مال؟ لا أعتقد أنهم سيسمحون لنا بالعودة. عائلة سنيّة حاولت العودة فحرقوا منزلها وطردوها.

“الجيش اللبناني يحبّ اللعب معنا. قبل بضعة أسابيع، اقتحم خيامنا عند الفجر، وأخذ جميع الرجال، وكبّل أيديهم من دون أي سبب. نشعر بأننا غير مرغوب فينا هنا، وفي مدينتنا كذلك”.

اسم المقال الأصلي ‘No one can guarantee our safety’: Syrians stuck in squalid exile
الكاتب مارتن تشولوف،Martin Chulov
مكان النشر وتاريخه الغارديان،The guardian، 22/1
رابط المقال https://www.theguardian.com/global-development/2019/jan/22/no-one-can-guarantee-our-safety-syrians-stuck-in-squalid-exile
عدد الكلمات 1051
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق