سلايدرقضايا المجتمع

نظام الأسد بعيون حاضنته الاجتماعية

نشهد هذه الأيام انتشار ظاهرة فردية غير مألوفة، تتمثل في تصاعد موجات الاحتجاج والاعتراض، داخل الوسط الاجتماعي المحسوب على النظام، وخصوصًا في نخبه ورموزه الفنية والإعلامية، حيث صارت تعبّر عن غياب دور الدولة الأساس، في تأمين جميع مستلزمات الحياة الرئيسة، الطبية والغذائية والخدمية، وأهمها كل ما يساعد السوري في ليالي الشتاء القارس، من كهرباء وغاز ومحروقات. ونظرًا إلى تعدد المظاهر الاحتجاجية في الآونة الأخيرة، وخصوصًا خلال العام المنصرم، حول مواضيع وأمور متعددة؛ أعتقد أننا مطالبون بالتدقيق في مجمل سياسات النظام الداخلية والخارجية؛ التي تغذي وتحرض حاضنته الاجتماعية على الاحتجاج والتعبير عن سخطها، بين الفينة والأخرى، الذي يطال أعلى الهرم السلطوي، على الرغم من إدراكها لطبيعة النظام الأمنية والإجرامية والاستبدادية، وبشكل قد يوحي بشيء من التحدي.

لكن لا بد أولًا من تفكيك الخطاب الذي يرى أن تصاعد هذه الظاهرة، داخل الوسط المحسوب على النظام، هو تعبيرٌ عن مصالح دولية، تجد في تقويض سلطة ورمزية الأسد خطوة ضمان لمصالحها المستقبلية في سورية، لذا فإنها تدعم وتغذي هذه الظاهرة من خلف الكواليس. وهو تحليل يُغفل -عن قصد أو دون قصد- رؤيةَ حالة الاحتقان الشعبي من النظام كاملًا حتى في صفوف مؤيديه ومقاتليه، كما ينسى الواقع الذي قامت فيه الفئات الشعبية بالمجاهرة بمواقف، كان من المستبعد التعبير عنها في مراحل سابقة. مع ضرورة التذكير بأن مجمل السياسات الدولية في سورية كانت وما زالت تنطلق من تهميش السوريين، أينما كانوا ومهما كانت مواقفهم، لذا لا أعتقد أن من مصلحة أي قوة خارجية اليوم الإقدام أو تشجيع سلوكات قد تعيد شبح الثورات والإرادة الشعبية -وفق نظرة المجتمع الدولي إليها- إلى مخيلتهم، وإن كان الثمن التخلص من أحد أهم عقبات الاستقرار السوري. وهو ما يجعلني أعتقد بضرورة التمييز بين قدرة روسيا أو إيران على التعامل مع هذه الظاهرة، ومحاولة تطويقها وحرفها، بما يخدم مصالحهم المستقبلية، وبين وقوفهم خلف هذه الظاهرة وتحريضهم عليها.

وعلى ذلك؛ بالعودة إلى منهجية النظام الاقتصادية في السنوات الثمانية الماضية، نلحظ تناقضًا كبيرًا بين الوعود التي أطلقها عبر أدواته وأذرعه الإعلامية والسياسية، في السنة الأولى من الثورة، وبين الواقع الاقتصادي الجاثم على صدور السوريين اليوم. هذا الواقع الذي كان مؤيدو النظام يمنّون أنفسهم بأنه ناجم عن حجم المعركة وصعوبة الواقع الذي يواجهه النظام، وبالتالي كانوا يعوّلون على تغيير الحال في مرحلة ما بعد الانتصار، كما يحلو لهم وصفها، وهو ما شكل صدمة كبيرة على مدار العام المنصرم، الذي تم الترويج له على اعتباره عام الانتصار الساحق والنجاح الباهر، والمترافق مع تسارع غير مسبوق في توقيع المعاهدات والاتفاقات الاقتصادية مع الحلفاء أو المحتلين عمليًا، وإبرام عقود الاستثمار، وإقرار المراسيم والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية التي ترسم -بكل وضوح- معالم السياسية الاقتصادية التجارية والاستثمارية والخدمية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، على حساب حقوق السوريين الفقراء ومصالحهم.

كما نلحظ -بصورة مشابهة- سقوط الأقنعة التي استخدمها النظام من أجل إخفاء حقيقة التعديلات والتشريعات الدستورية التي أقرّها في العام الأول للثورة، مثل إلغاء حالة الطوارئ وإقرار قانون مكافحة الإرهاب. ثم إقرار دستور جديد، كان الهدف الحقيقي منه، إضفاء غطاء تشريعي لمركزة السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد الرئيس فقط، وهو ما يرسّخ ويقونن طبيعة الحكم المركزية والاستبدادية، أي بما يمكن تسميته “قوننة الاستبداد” التي تهدف إلى حماية وشرعنة عصب النظام الرئيس ممثلًا بشخص الرئيس وأجهزته الأمنية والعسكرية، على حساب مصالح وحقوق جميع السوريين، معارضين وموالين، مقاتلين ومدنيين، ومن جميع الطوائف والملل والمشارب والأفكار والانتماءات الفكرية والدينية والقومية، وبما يؤكد أنه نظام مافيا، أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا، ولن يكون في أي يوم من الأيام نظامًا للشعب السوري، يحمي مصالحه ويحقق أهدافه ويساهم في بناء وطن جامع لجميع مكوناته.

في السياق ذاته، نجد تلاعب النظام ببعض الشعارات البراقة، كالحفاظ على وحدة سورية أرضًا وشعبًا، وحماية حقوق ومكانة جميع مكونات المجتمع العرقية والإثنية، والمساواة بينها في الحقوق والواجبات، والتأكيد على دور سورية الوطني والقومي، وعلى مكانتها في الصراع العربي الإسرائيلي، على اعتباره نظامًا وطنيًا وعلمانيًا وتقدميًا. وهو ما تم نفيه واقعيًا، عبر خضوع مجمل السلطة السورية ممثلة بالحكومة والبرلمان وشخص الأسد، إلى قرار وإرادة القوى التي تحتل سورية، روسيا وإيران، فضلًا عن دور النظام في إثارة النعرات الطائفية والعنصرية، داخل المجتمع السوري، كموقفه من اللاجئين والنازحين، وانفضاح علاقته بالقوى الجهادية المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم (داعش)، وقدرته على توجيهها كما حدث في محافظة السويداء. وفي ظل تعدد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي السورية، دون ترافقها مع أي رد رسمي يذكر، وقد ترافق مع اعتراف روسي بموافقته على حماية حق الاحتلال باستمرار هذه الاعتداءات، وعبر تثمين الروس لتعاون النظامين السوري والإيراني، في تلبية المطالب الإسرائيلية، المتعلقة بالمناطق الحدودية؛ والعمل على إيجاد جثامين بعض جنود الاحتلال المفقودين داخل سورية. كما سقطت كذبة علمانية النظام على خلفية المرسوم رقم 16، ونتيجة مجمل سياسات النظام التعليمية والإعلامية التي تعزز دور المؤسسة الدينية الخاضعة لسيطرة الأجهزة الأمنية، وتجعل منها وصية على المجتمع السوري كاملًا.

وعليه، يمكن القول إن الكثير من الأصوات الناقدة والمحتجة، داخل سورية اليوم، تحتقر وتتجنب خطاب تأليه الرئيس وتحييد مسؤوليته عن كل الواقع السوري الحاصل، لصالح خطاب يُحمّله شخصيًا مسؤولية جميع الأخطاء والمصائب الحاصلة، وإن تحاشت حتى اللحظة تحميله مسؤولية الوضع السوري عمومًا، والإجرام المرتكب بحق المدنيين السوريين خصوصًا في المناطق الثائرة، على مدار السنوات الماضية. وهي بادرة خير، وإن كانت متأخرة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد كي تتبلور سياسيًا واجتماعيًا. وعليها أن تدرك أن واقع سورية اليوم مغاير تمامًا، لما كان عليه قبل 2011، فقد تحولت سورية إلى مرتع لجميع قوى الاستبداد والإجرام والإرهاب، من الميليشيات الطائفية والعرقية وربما القومية، إلى جيوش الاحتلال النظامية. وهو ما يجعل الانتقال من خطاب المظلومية والسخط والغضب المناطقي والفئوي، إلى خطاب سوري جامع ذي برنامج وطني واحد، ضرورةً وأولويةً في الوقت ذاته، كي تتمكن مرحلة الثورة الثانية من تحقيق أهدافها الوطنية، عاجلًا أم أجلًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق