تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

السياسة تعصف بقمة بيروت.. حلفاء الأسد توّجوها بالفشل قبل انعقادها

(حزب الله) ونظام الملالي عطّلا القمة لإيصال رسائل أساسية إلى العرب

غاب أبرز الرؤساء والملوك والأمراء العرب عن حضور قمة بيروت العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية، في دورتها الرابعة، بعد أن وضع منظموها على رأس أولوياتهم مشاركة نظام الأسد فضلًا عن عودته إلى الجامعة العربية، وهو ما جعل منها القمة الأضعف بتاريخ الجامعة العربية، بعد خفض مستوى التمثيل السياسي إلى حده الأدنى.

القيادة السياسية لميليشيا (حزب الله) الإرهابية، المدعومة إقليميًا من نظام الملالي في طهران، وداخليًا من قبل الرئيس ميشال عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، كثفت أثناء التحضير للقمة الدعوات للتقارب مع نظام الأسد. فجاء اعتذار القادة العرب في الساعات الأخيرة عن الحضور، بمنزلة موقف عربي رافض لهذه الدعوات.

سفير النظام السوري في لبنان علي عبد الكريم، قال إنّه تلقى دعوة من رئاسة الجمهورية اللبنانية لحضور القمة، لكنه اعتذر عن المشاركة، بينما واقع الحال أنّ سورية لم تعد إلى الجامعة العربية، وهو ما أُخذ على الرئاسة اللبنانية من قبل بعض القادة العرب الذين اعتبروا أنّ هناك تجاوزًا لما يرتضونه.

مصادر صحفية لبنانية، كشفت أنّ المساعي الحثيثة التي بذلها باسيل، لإعادة الأسد إلى الجامعة العربية، تمهيدًا لتوجيه الدعوة إليه لحضورها، اصطدمت بلحظة إحجام عربي عن الاندفاعة تجاه النظام الأسدي، وبضغط أميركي لوقف اندفاعة التطبيع مع دمشق، فيما استمر باسيل في محاولة فرض رغبته، فكان لا بد من مواجهته بحزم من قبل معظم الدول العربية، التي أصرّت على وجوب التزام لبنان التوجه العربي.

من جهتهم، أصرّ حلفاء الأسد في البلد المضيف، فضلًا عن بعض القادة العرب، على إفشال القمة، إذا ما خابت مساعي إعادة الأسد إلى “الحضن العربي”، حسب تعبيرهم، في إشارة إلى إلغاء قرار تعليق عضوية سورية منذ العام 2011، على خلفية الثورة السورية والتعاطي الدموي للنظام معها.

تحالف عون مع نصر الله أفشل قمة بيروت قبل أن تُعقد
  • ملف إعادة الإعمار وذاكرة باسيل المثقوبة

استضافة لبنان لهذه القمة، على الرغم من استمرار معضلة تشكيل الحكومة الجديدة، منذ ثمانية شهور، ووسط تجاذبات سياسية بين قيادات الصف الأول في لبنان، وإثر عودة قوية لنظام الأسد في ظلّ محاولات روسيا للتدخل السافر بالشأن الداخلي اللبناني، ومن قبل وصاية طهران التي تحميها بلطجة ميليشيا (حزب الله)، التي لا يردعها قادة الدول العربية الغارقون في خلافاتهم البينية، جعلها تتخذ طابعًا سياسيًا بامتياز أنذر بفشلها قبل أن تعقد.

جبران باسيل، الذي ترأس الجلسة الافتتاحية لوزراء الخارجية العرب، الخميس 17 كانون الثاني/ يناير الحالي، لم يأتِ في كلمته على ذكر النظام السوري وما حصل في سورية، متجاهلًا أنّ فيها حربًا، مركّزًا على إعادة الإعمار واللاجئين، من دون بحث حقيقي في المسبب بالدمار والتهجير.

كما دافع الوزير اللبناني عن إعادة الإعمار، في غمزة منه إلى نظام الأسد، الذي تتم معاقبته دوليًا وإقليميًا في وقف عملية إعادة الإعمار أو منعها ما دام في الحكم. داعيًا إلى تأسيس رؤية اقتصادية مشتركة، وخلق مساحة اقتصادية مشرقية، تبدأ بإعادة إعمار سورية والعراق، وإعادة النهوض بلبنان، من دون إغفال مشاريع سكك الحديد والنفط والغاز والكهرباء. مركزًا على وجوب ربط المتوسط بموانئ بالعراق، والبحر الأحمر بسورية.

كذلك ركز باسيل على وجوب إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم النازف بمعزل عن رغبة من هجّرهم، مشددًا على وجوب تطبيق العودة الآمنة والكريمة، وتحويل “النقمة المذهبية إلى نعمة المواطنة”. معتبرًا أنّ غياب سورية (الأسد) “فجوة كبرى في الجسد العربي، وهناك شعور بثقل غيابها”، وأنّها “يجب أن تعود إلى الجامعة العربية، وأن تكون في حضننا بدلًا من تركها في حضن الإرهاب” بمعزل عن الضغوط الخارجية التي تمنع إعادتها”، وأنّه “يجب عدم تسجيل عار إبقائها خارج العرب بسبب الضغط الخارجي، وإعادتها حين يسمح الإذن الخارجي”.

وزير الخارجية جبران باسيل وأمين عام جامعة الدول العربية

معين المرعبي، وزير الدولة لشؤون النازحين، قال: إنّ “كلّ ما يصدر عن باسيل في ما يخص الأزمة السورية هو ضمن خانة القرار الفردي والشخصي الذي لا يمثل سياسة الدولة ولا يلزمها”.

الأمانة العامّة للجامعة العربية أكّدت، قبل انعقاد القمة بأيام، أنّ قمة بيروت لن تبحث مسألة عودة الأسد إليها، كما لن تبحث ملف إعادة الإعمار في سورية، ولا مشاريع اقتصادية تتعلق بها.

  • هدف بري؛ تعطيل القمة لكسب ود الأسد

إلى جانب موقف الرئيس عون والوزير باسيل المحابي للنظام الأسدي، جاء موقف نبيه بري، رئيس مجلس النواب، ورئيس (حركة أمل) الشيعية، مرحبًا بحضور بشار الأسد ومعترضًا على حضور ليبيا، بسبب قضية اختفاء الأمام موسى الصدر.

بري؛ السعي لكسب ود الأسد

بري، بحسب مراقبين، صعد بوجه ليبيا بقصد إفشال القمة، ليكسب ود نظام الأسد، ومن أجل فتح باب تحسين علاقته مع معه، خاصّة أنّ ليبيا كانت قد شاركت في العام 2002 بالقمة العربية في بيروت، من خلال وفد رفيع المستوى دون أيّ اعتراض من أيّ جهة كانت في لبنان، رغم أنّ العقيد القذافي كان لا يزال حينذاك في الحكم، فكيف اليوم وهو في عداد الموتى؟

وليد جنبلاط (رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي) غرد على (تويتر) معلقًا على القمة، بصورة لرأس ثور معلق على دراجة هوائية وكتب: “لبنان بعد قمة الاسكندر ذو القرنين”، لافتًا إلى أنّ “لبنان أضعف نفسه بنفسه في حسابات ضيقة، وفي فرص ضائعة حول حصص وهمية”، كاشفًا عن أمر عمليات للتعطيل، عندما لاحت في الأفق بوادر انفراج لتشكيل الحكومة.

محللون سياسيون لبنانيون ربطوا بين مواقف الزعامات السياسية في لبنان وقربهم أو بعدهم من نظام الأسد وتحالفاتهم مع طهران، ورأوا أنّه “لا يمكن للفعالية السورية في إفشال القمة، أن تكون مستقلّة بذاتها. بلا شك، هي تستند إلى قوةٍ رافدةٍ، ترفض عقد القمة أيضًا، وثمّة من يشير إلى أنّ إيران أرادت إيصال رسائل أساسية إلى العرب، بأنّهم لا يدخلون بيروت إلا بإذنها، خصوصًا أنّ بيروت مدرجة بين العواصم العربية الأربع التي تبجّح مسؤولو (الثورة الإسلامية) بأنّها خاضعة لسيطرتهم. فلا يمكن التساهل مع (استباحة) العرب لها، وفق المنظور الإيراني. وبينما أصرّ لبنان على عقد القمة، لم تأت التلبية العربية على قدر المتوقع من آمال. لتظهر طهران مجددًا وكأنها حققت هدفها”.

وألقت الانقسامات بين الدول العربية، بشأن سورية وحليفتها إيران والنزاعات الداخلية في لبنان، ظلالها على اجتماع القمة في ظلّ انسحاب عدد من الزعماء.

وقال مصدر في اللجنة المنظمة، الجمعة، إنّ ما لا يقل عن ثمانية رؤساء دول كانوا قد أكدوا مشاركتهم، لكن سيحضر الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني فحسب.

الرئيس ميشال عون مستقبلًا الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز

مراقبون عرب قالوا إنّ الإحجام العربي عمومًا عن المشاركة في القمة ارتبط بجملة أسباب، بينها تموضع لبنان حاليًا دوليًا وعربيًا. وبينما كان في مرحلة الحريري الأب نقطة تلاقٍ سورية وسعودية وفرنسية وأميركية، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ساحة حرب بين المحاور الإقليمية والدولية. ولعل الأيام الأخيرة التي شهدت زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل، إلى لبنان والتصريحات التي رافقتها، والردود الإيرانية التي تبعتها، تلخص الحال والنظرة إلى لبنان بوصفة دولة خاضعة للنفوذ الإيراني، وإن كان التمسك بالدولة اللبنانية خيارًا عربيًا وأميركيًا في المواجهة مع (حزب الله) والمحور الإيراني.

فشل الحلفاء في إعادة الأسد إلى الجامعة العربية

كان ينبغي لهذه القمة، التي كُتب لها الفشل الذريع، أن تكتسب أهمية كبرى، بعد توقف استمر خمس سنوات، وذلك بعد آخر قمة اقتصادية استضافتها الرياض في عام 2013، حيث كانت تُعقد مرة كل عامين، ثمّ صارت تُعقد مرة كل خمس سنوات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق