مقالات الرأي

قوة الأفكار ودورها في الثورات والتغيير

هل جاءت الثورة السورية بدفع من إرهاصات ودعوات فكرية؟ أم كانت حركة احتجاج شعبية على خلفية شعارات حيطان درعا، ثم تطورت إلى ثورة شاملة؟ وكما يبدو فإن غياب مرجعية فكرية للثورة كان سببًا في الحال المأسوية التي وصلت إليها، مع استنادها إلى حوامل تشظت باتجاهات متباينة.

قامت الأفكار الكبرى بدور أساس في تشكيل وعي الشعوب والتاريخ البشري؛ حيث كان ظهور ديانات وفلسفات ونظريات كبرى سياسية أو أيديولوجية حافزًا لإحداث تغييرات جذرية، وشيوع أنماط اجتماعية وسياسية وأخلاقية جديدة ومختلفة كليًا؛ كما لعبت تلك الأفكار دورًا مهمًا، في تشكيل إرهاصات ومقدمات لثورات وحركات تغيير اجتماعي كبرى، من أشهرها وأهمها الثورة الفرنسية والثورة الروسية.

تتعرض الأفكار والعقائد لتغييرات جذرية مع مرور الزمن؛ ويأتي ذلك من تباين واسع يظهر في فهم وتفسير النصوص الأصلية، بما يتلاءم مع تباين المصالح والأهواء في تطبيقها؛ ويدفع ذلك إلى تحريف شديد يؤدي إلى طمس سياقات النصوص الأصلية ومراميها؛ وقد يفسر هذا نشأة الأصوليات والدكتاتوريات والتطرف والإرهاب بالاستناد إلى أيديولوجيات وعقائد لم تكن تحمل نفس المضامين.

يساعد في نجاح الثورات والانتفاضات انتشارُ الأفكار التنويرية قبل نشوبها؛ بينما تشكل حالة الفراغ عاملًا سلبيًا على مستقبلها، حيث إنها قد تتعرض لانتكاسات مستمرة في الوعي والتعامل بديناميكية مع تطور الأحداث؛ وقد تكون هذه مشكلة أساسية عانتها الثورة السورية.

يتراجع ظهور عقول وأفكار عظيمة، تماثل تلك التي حركت البشرية قرونًا طويلة، من أساطين الفلسفة اليونانية سقراط وأفلاطون وأرسطو، إلى الأفكار والنظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي ظهرت في عصر الأنوار والثورة الصناعية؛ حيث باتت أعمالهم الملهمة جزءًا أصيلًا من تراث الإنسانية، بقيمته العلمية والأدبية المستمرة، على الرغم من التطور العلمي والتقني الهائل الذي بلغته البشرية.

أدى مفكرو وفلاسفة عصر الأنوار دورًا رائدًا، في نشر الوعي الاجتماعي والتنوير الفكري، وبث روح التحريض على التغيير الاجتماعي السياسي؛ وشكّل عملهم مقدمة لعصر النهضة والثورات الكبرى في التاريخ، وأهمها وأشهرها الثورة الفرنسية التي غطت رمزيتها العالم بأسره؛ وعلى وقع الاحتجاج على الفقر والجوع، كانت نظريات ماركس مقدمة لاندلاع الثورة الروسية وانتشار الشيوعية، وظهور معسكر اشتراكي في مواجهة معسكر رأسمالي.

أضاع المعتزلة فرصة تاريخية لتكريس التفكير الحر، وتداوله في المجتمعات العربية الإسلامية، من خلال فرضهم الاستبداد الفكري، عكس الحرية التي كانوا يدعون إليها؛ ومع القرن الرابع الهجري، تمّ إغلاق باب الاجتهاد وتحريم الاشتغال بالفلسفة على يد الإمام الغزالي؛ وأدى ذلك إلى شيوع كتب الشروح والمتون والحواشي وتعطيل روح الابتكار والإبداع؛ ودخلت مجتمعاتنا العربية بعد ذلك في غيبوبة فكرية استمرت قرونًا طويلة؛ وكان من العسير على حركة النهضة العربية التي ظهرت في نهايات القرن التاسع عشر تجاوز محنة متجذرة، وتقديم مشاريع تجديد نهضوية فاعلة.

تتجه حركة المجتمعات إلى الأمام، وهي تحتاج إلى الديناميكية وكسر الجمود، في مقاومة التخلف والاستبداد؛ وهنا يأتي دور الأفكار العظيمة ورواد التغيير في بث روح التوثب للحرية، حيث تشكل أفكارهم إلهامًا للمحتجين وقت الثورات.

يرسخ غياب الأفكار الخلاقة والمفكرين المبدعين حالة التخلف والجمود في مجتمعاتنا، مع ضعف التفاعل مع الحضارات الأخرى؛ لكن وسائل التواصل الحديثة تمنح فرصًا هائلة للتواصل البشري، وتتيح ابتكار طرق فعالة للعمل الثوري، تتجاوز سطوة الدكتاتوريات؛ وعلى الرغم من أن الثورات تتعرض لانتكاسات وأضرار، فإن حركة التغيير تبقى مستمرة ولا تتوقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق