هموم ثقافية

العقل.. متى يشتغل معارضًا جماليًا؟

عندما نقرأ كتابًا، فلنفتح باب الوعي والمعرفة؛ ولنحقِّق إشراقات، أو لندفع العقل كي يشرق الفكر فيه، تلك الإشراقات العلمية أو الفلسفية التي ترفع فعل القراءة إلى فعل (التصوّف). لأنّ فعل الامتناع عن القراءة هو إغلاق باب الإبداع، وبذلك ندعم فعل (التكرار) فعل الموت، حتى لو كان ما يكرِّره هو (العلم)، لأنّ العلم سيصير في هذه الحالة مادة قديمة تجسِّد التقليد والمماثلة، في عمليةٍ القصد منها القضاء على الإبداع، على فعل التمرد، على جدلية التناقض التي تروِّج للكسل العقلي والمهادنة والاستبداد المعتقدي، وبهذا نقتل الفكر.

بالمقابل، عندما نهجر القراءة -قراءة الكتاب- فإنّ القراءة لا تسكت، بل تثأر لنفسها إذا بقينا نقوم بزجرها وازدرائها. فمن جلجامش إلى ابن رشد؛ إلى التوراة، فالإنجيل، فالقرآن. ومن ثمّ إلى الشعر العربي، فالفلسفة العربية التي حرّمها فقهاء الظلام على العقل العربي، وفوقها روّجوا للطلسمة، كنّا (نقرأ)، وكانت القراءة تمشي فينا، بصفتها فعلًا يقود إلى الوعي، إلى التفكير الفلسفي، وفي أسوأ الأحوال فعلًا يحقِّق شكلًا من أشكال المعرفة اليومية السؤالية، أو المعرفة العلمية الاستفهامية. ثمّ، ما المانع أن تقودنا القراءة إلى النفاذ إلى ما فوق الماوراء أو ماوراء الماوراء والكلفة نفس الكلفة؟؟

لو أمعنّا القراءة في تاريخنا؛ لوجدنا أنّ عقلنا لم يكفّ عن القراءة، التأمل؛ عن البحث (اللاماذائي). وهذا يعني أنّ القراءة فعل حياةٍ وليس فعل موت، باعتبارها تحقيقًا أو توليدًا أو ولادةً للإنسان الفلسفي. لاحظوا عندما سكّنا العقل و(ريّحناه) من القراءة ماذا حلّ بنا: هزائم، نكسات، غيابٌ وصل إلى درجة الفناء! كدنا نفنى كأمّة، فسحلَنا من سحلنا من الأعداء؛ استعمرنا، استحمرنا؛ وباعنا في سوق النخاسة/ الرقيق، استخدمَنا حطبًا، وقودًا لحروبه، استحمّ بدمائنا.

لماذا لا نقرأ، والقراءة ليست ترفًا أو امتيازًا، لماذا لانقرأ، والقراءة فعلٌ جدلي/ نقضي/ تمردي. حاجةٌ نتأنسن بها، فعل حضور لا غيابٍ أو فناء، فعلٌ ماديٌ لا مثالي، فعلٌ ينتصر للمبدأ، فعلٌ ينتج النظرية لا المشكلة، فعلٌ يدافع عن الوجود، يدافع عن العقل وفائض العقل واغترابه، منذ قتل قابيل هابيل حتى اليوم.

إنّ العقول -كما الأمم- تنبع قيمتها وتملك (ديمومتها) بل تصير مصدر ثراءٍ من قوّة (المعرفة) التي تنتجها ويتمّ تداولها. فكل العلوم المعرفية تحوّلت إلى ملكية إنسانية ذات سيادة علمية يتمّ قراءتها ودراستها والاستفادة منها. علوم ومعارف تعدّت حدودها الجغرافية، فيما غيرها من الإبداعات لم تتجاوز المسافة التي ما بين رحم ولادتها وقبرها الذي دفنت فيه؟ أظنّه العقل الذي يفكِّر والعقل الذي لا يفكِّر؛ العقل الذي يذهب إلى الموت كما الحياة، والعقل الذي يستسلم ويفك كلّ أزرار ثيابه أمام أي إغواءٍ أو إغراءٍ، سواء أكان ماديًا أو معنويًا. وأظنّه أيضًا (العقل) يعرف كيف يثري أفكاره؛ كيف يبدع علومه ومعارفه/ آدابه وفنونه ويمتلك الحياة- العالم، وبالسلم لا الحرب؛ وهذه -برأيي- ثروة الثروات.‏

ماذا نفعل؟ لِم كل هذا الكم من الإنتاج الفكري، الأدبي، العلمي ولا (نوع) منه يشجّ الرأس؟ أين العقل/ العقلانية العلمية التي تدير هذا الإنتاج/ الإبداع، وتعرف كيف تسوِّقه، وكيف تؤسِّس لعقلٍ نهضوي، عقلٍ معرفي؟ نحن لا نعيش في معزلٍ أو عزلةٍ أو قطيعةٍ معرفية مع الآخر، ولو أنّ الآخر هذا -كائنًا من كان- تربطنا به ما تربطنا من عقود واتفاقات تلزمنا بضبط النفس، ولو ضيّق بل قطع نفسنا.‏

لماذا نستسلم أو نروح في سبات؟ لماذا لا ندخل في عملية تشاركية مع المجتمع الإنساني في إنتاج وتقاسم المعرفة والإبداع؟ فكما أن الإثراء المالي/ التجاري عملٌ مشروع أو يشرْعن له وتحميه القوانين، فكذلك الإثراء المعرفي يحسِّن ويزيد رفاهية الإنسان.‏

لنأخذ الرواية، باعتبارها ديواننا الجديد وبصفتها بنت العقل، أحدُ أجدادنا كان قد طلب من فرنسيس المرّاش أن يكتب رواية (غابة الحق) أوّل رواية عربية، من أجل أن تكرّ المسبحة بعدها، ويصير فينا مثل صاحب الملجأ الذي طلب من رجل أعمال أن يتبرّع له بالمال، فأرسل إليه مئات اليتامى؟ أكثر من مئة وخمسين سنة مرّت على رواية المرّاش، وأكثر من مئة وخمسين ألف رواية كتبنا أو سنكتب؛ وحالنا هي حالنا؛ لم نتمدّن ولم نتبدْونْ. نخسر باستمرارٍ وكأنّ كتابة الرواية أمست “عقدة نفسية” وليست عملًا أدبيًا نهضويًا، عملًا تحرريًا يخلِّصنا من ثقافةٍ لسانية مسطّحة؛ ثقافة الخطب والبيانات التي تزخر بها معظم أدبياتنا.

في أوروبا، شكّلت الرواية وعي المواطن، وكشفت/ قدّمت تصوراته الفلسفية لماهية الإنسان أو العقل. بل فرجتنا كيف أنّ الرواية خلقت واقعًا مدنيًا مرتبطًا بظاهرة السلطة والهيمنة الاجتماعية والسياسية، وبالتخلّص من كابوسها، وأنّ الناس شركاء في الحياة، وأنّ الرواية ليست قيدًا، وليست لاستغلال الإنسان، وأنّها -أيضًا وأيضًا- ليست ضربًا من ضروب تحقيق السلطة ولو (المعنوية) والضربِ بعصاها.

الرواية عملٌ عقلاني. هي غير الشعر الذي ما يزال ديواننا وخيمتنا. هي ضد التمييز والتهجين والعنصرية والصد والاستبعاد والاستعباد والتسلّط. هذه الرواية، منذ أسّس لها فرنسيس المرّاش -إلا القليل منها- تعاملنا على أنّنا مجانين، على إنّنا أمّة فقدت عقلها الجماعي، فقدت وعيها وإدراكها، وما تزال تمجِّد الإقطاع، وتذل المرأة، وتقدِّس الاستبداد، وترفض الحوار. وأنّنا أمّة تملك اللغة بدليل هذا الكم الهائل من الروايات، لكنّها لا تملك الفكر، وأنّنا أمّة تتكلّم وتتكلّم لكنّها لا تفكِّر، أمّة قرأتْ ودرست الفلسفة لكنّها من دون فيلسوفٍ ولا من يفكِّرون.

لماذا كل هذا الخراب، ونحن أمّةٌ شادت وعمّرت الحياة؛ عمّرت العقل: فراعنة، سومريون، بابليون، آشوريون، فينيقيون، آراميون، كريتيون، كنعانيون، عموريون.. إضافة إلى شركاء لنا ما يزالون يعيشون معنا مثل الكرد؟ وفوق كل ذلك نجد أنّ أوروبا التي قام بعضٌ من نهضتها على الفنون والآداب ومنها الرواية؛ أوّل ما تعرّفت إلى (المدنية) كان على أيدي العرب في الأندلس. ماذا تفعل الرواية العربية أمام كل هذا الخراب، ولماذا يحوِّل الروائيون الكلمات إلى أصابع ديناميت وإلى حجر؟ بالمناسبة أكثر الروايات التي يكتبها هؤلاء الروائيون تقوم على الإنشاء والوصف اللغوي السهل، فيكشف عن عقم فكرهم وطفوليته وسذاجته، ولماذا يرون أنفسهم، بصفتهم مثقفين، أعلى من العِلم وأعلى من النقد؟!

ما الذي أصاب العقل عقلنا؟ قد تقولون: عندنا مئات بل آلاف الكتّاب، وأنا أزيد وأقول: بل عشرات آلاف. لكن أين النص الذي يهزّنا، يرقِّصنا، يفرِّحنا، يطربنا، يأخذنا إلى خارج الجاذبية الأرضية؟ معظم ما نقرؤه كأنّه إعادة كتابة لتصفية الحياة في أعماقنا، فنموت غمًا وكمدًا. عشرات الروايات، عشرات المعارض الفنية والعروض المسرحية، ومئات بل آلاف القصائد، لكن أغلبها يأخذك إلى الضجر والتثاؤب، وفوقها تأخذ مالك ووقتك ولا تعطيك شيئًا. بل تستفزّك، تقهرك، تخيفك وتشلِّحك عقلك فتصير بلا عقل. ما هذا الكمّ المرعب من النصوص، على اختلاف أجناسها، التي لا تستطيع أن تقرأها ولا تبتلعها. نحن تعلّقنا بنجيب محفوظ والطيِّب صالح ومحمد الماغوط وعبد الرحمن منيف وخليل حاوي وأمل دنقل والطاهر وطّار وسعد الله ونوس، على سبيل المثال، في حياتهم؛ أي لم ننتظر زمنًا طويلًا يمرّ لنكتشف أنّهم كانوا مبدعين. بل كأنّهم ولدوا ليكونوا عباقرة، فثقّفوا عقلهم ليشتغل معارضًا جماليًا، أو في قلب المعارضة الجمالية، وضدّ كل أشكال ووجوه القباحة، فنقرأ رواياتهم وقصائدهم ومسرحياتهم وقد وضعونا في منتهى الأبّهة الكلامية، في صورة من أرقى صور النثر والشعر الذي يسخر من الخونة والجبناء، وهم يدقّون المسامير في نعش العبودية، إِنْ كانت للسلطان أو للجهل أو حتى للعلم. فهل نفكِّر؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق