تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

بنك أهداف “إسرائيل” في “المهاجرين”

لم يعد لغارات المحتل الإسرائيلي على الأراضي السورية، وقع الدهشة، ولم يعد لخبرها وقع السبق، بعد أن أصبحت شبه “اعتيادية”، خصوصًا مع بدء الثورة السورية، التي علت فيها أصوات البراميل على صواريخ المحتل، ومنحتها تغطية العبور إلى عموم المناطق السورية، وسحبت عنصر الدهشة والمفاجأة منها، فبين كل غارتين، يكون هناك صخب مستمر، يعلو ويخفت بحسب الحاجة، وتتغير اللهجة لتناسب الوقائع شبه الاعتيادية بعد تطور لغةِ الخطاب، من تحديد الرد على العدوان بالزمان والمكان، إلى أكاذيب التصدي لصواريخ المحتل، ومنعها من تحقيق الأهدافِ غير المعلومة للمواطن السوري الذي يشهد تدمير مدنه وقراه، تحطيمًا وتعفيشًا وتهجيرًا لسكانها.

عدوانٌ إسرائيلي جديد، تنفذه صواريخ المحتل، أمس الأحد، يستهدف محيط مطار العاصمة دمشق، لكنه يأتي بعد يومين من انتهاء سلسلة مباحثات جمعت ضباطًا رفيعي المستوى من “إسرائيل” وروسيا، في تل أبيب، لتنسيق منع الاحتكاك في الأجواء السورية. التنسيق ليس جديدًا وهو يجري للتأكيد على جملة تفاهمات دخلت عامها الرابع، بين تل أبيب وموسكو، يبقى المثير فيها الحادثة الشهيرة لإسقاط طائرة الاستطلاع الروسية، والصخب الذي رافقها من صواريخ (إس 300) إلى منع طائرات العدو من الاقتراب من المجال الجوي السوري، بحسب بيانات موسكو ودمشق آنذاك.

حتى الأمس القريب، سرّبت موسكو، في أثناء اجتماع ضباطها مع مسؤولين إسرائيليين من المستويين العسكري والأمني، أنها طلبت من “إسرائيل” عدم استهداف المطار؛ لأن موسكو تنوي إعادة تأهيله، لاستقبال آلاف السوريين الذي سيعودون بعد “نصر الأسد”.

يبدو الأمر ظاهريًا -بالنسبة إلى محور دمشق وموسكو- أنه نهاية المطاف “للغطرسة” الصهيونية، ليتبين بعد ذلك ما هو مؤكد وسيبقى يقينًا ثابتًا، ما هو متصل بالتحالف الوثيق الذي يجمع قوتي الاحتلال الروسية والإسرائيلية في سورية، بعدم تعرضه للتقهقر بغارات أو إسقاط طائرات، أو بخلاف وجهات النظر عن أولوية الحفاظ على النظام أم على وظيفته التي ثبت أنها الأهم، بالنسبة إلى قوتي الاحتلال، كما تدل جميع الوقائع وبديهيات الأحداث، التي يبرهن فيها الجانب الصهيوني تأكيده الدائم على مجال “إسرائيل” الحيوي في سورية، وكررها اليوم بنيامين نتنياهو، من العاصمة التشادية إنجامينا: “سياسة إسرائيل في سورية من التمدد الإيراني لا تتغير عندما أكون في إسرائيل، أو عندما أزور تشاد تاريخيًا”.

بعيدًا من الدهشة المختفية والاعتيادية، التي خلقها المحتل في سلسلة الاعتداءات على الأراضي السورية، يمكن رؤية الحدود الوليدة لهذه الغارات بكل تمييز، وهي حدود رسمها الروسي بعد أن خطّها النظام فوق الجغرافيا السورية، ونزع من أمام الصهيوني كلّ الأسباب المانعة لتغوله، هذا التعبيد الدراماتيكي الهائل والقاسي، الذي يجري فوق الجغرافيا السورية، أحدث انهيارًا كبيرًا في بنية النظام العسكرية والأخلاقية والقيمية، التي كانت مبنية أمام العدو بشعارات هائلة تلاشت، منذ هدم النظام متاريس السوريين وبنى جثثًا فوق بعضها، ليخفي كرسي أبديته، وسمح للعدو أن يطلّ من براميله ومجازره وصواريخه وزنازينه، ليفاضل بها نظامٌ يدمّر شعبه ووطنه.

صحيح أن تجربة السوريين، في طورها الانتقالي، كانت قاسية ومؤلمة وكارثية لعموم الشعب، لكنها -بالتدقيق الموضوعي- فتحت العديد من الآفاق، وقدّمت الفرص للاكتشافات المذهلة لوظيفة النظام السوري، وإن استثمار تلك الفرص يستدعي دومًا الإسراع في إعادة بناء العامل الذاتي بطريقة جديدة مختلفة عمّا عهدناه في حقب الأسدين، الاستغراق في التحسر والاسترسال في البكاء كانا -وسيظلان- من قيم وشيم نظام ساقط ومجرم متحالف مع العدو في وظيفته التحطيمية.

لا مناص أمام السوريين، من إعادة بناء الذات وتوحيد الجهود لمواجهة النظام وإسقاطه، ذلك حل سريع لوقف العدوان الصهيوني، يدرك الأخير أن لبنات النظام القمعية هي أهمّ من كل صواريخه وترسانة أسلحته، فالذي يمتلك حارسًا لقيمه في قصر المهجرين ليس بحاجة إلى طائرات ودبابات وغارات، فترسانته الوحشية بدمشق كفّت ووفت بهذه الأهداف، وعندما يدمّر السوريون بنك أهداف “إسرائيل” في جبل المهاجرين، سيستعيدون مرتفعات الجولان وتتوقف ملطشتهم.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close