مقالات الرأي

سورية الشعب والأرض على طاولة اللئام

أخطأ الرئيس بوتين، عندما أعلن في نهاية عام 2017 أنه قضى على الإرهاب، ولذلك أمر بسحب قواته من سورية، وأخطأ طاغية دمشق ورعاته ملالي إيران، عندما صرخوا عاليًا بأنهم انتصروا وقضوا على الإرهاب. وأخطأ الرئيس ترامب مؤخرًا، عندما أعلن القضاء على الإرهاب وأمر بسحب قواته من سورية، ويبدو أنه تراجع عن قراره؛ لكنهم كذبوا جميعًا. لماذا؟

أولًا:  لأن الإرهاب ما زال موجودًا بأبشع أشكاله؛ فالإرهاب الحقيقي هو إرهاب نظام الأسد ضد الشعب السوري الذي فجّر الثورة ضد الظلم والقمع والاستبداد، من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وهذا الإرهاب ما زال قائمًا، وعلى الرغم من أنه في حالة هزيلة وضعيفة، فإنه موجود ويُشكل خطرًا على مستقبل سورية، فقد فرّط نظام الأسد بالأرض والسيادة والكرامة، وباع سورية لإيران وروسيا وكافة حثالات العالم التي دافعت عن كرسيه (هكذا قال بشار سورية هي لمن “دافع عنها”، ويقصد دافع عن نظامه وليس لمن يحمل جواز سفر سوري) كما باع أبوه المقبور حافظ الجولانَ الحبيبة لـ “إسرائيل” عام 1967.

ثانيًا: تنظيم (داعش) الذي “تبخر” تقريبًا هو إرهابٌ ناتج عن إرهاب النظام الأسدي، زُرع في سورية -بدعم مخابراتي دولي- ليُجهض الثورة السورية، ونجح كثيرًا في توسيع دائرة الفكر المتطرف في سورية والمنطقة. وإنّ من يقف وراء انتشار الفكر الديني والطائفي المتشدد في سورية والعراق وأماكن أخرى، هي إيران قبل أي أحد. ولكنها لم تفعل ذلك وحدها، فهناك من مهّد لها الطريق وساعدها بشكل مباشر أو غير مباشر، في أداء مهمتها. تذكروا الحكومة العراقية التي أحضرها برايمر على ظهر الدبابات، كانوا كلهم طائفيين ومرتزقة وعملاء، وهم من كرّس الطائفية في العراق. الولايات المتحدة هي من فتح الطريق للطائفية في العراق، وانتقل هذا المرض إلى سورية، وقبلها إلى لبنان على أيدي حزب الشيطان اللبناني. واليوم تهدد اليمن تحت مسمى الحوثيين أو حزب “أنصار الله”، وكلهم يقتلون باسم الله، ويرفعون رايات الله، من (داعش) إلى (جبهة النصرة) إلى ايران وأحزابها الطائفية، وبقي النظام الأسدي الذي سيرفع يومًا ما راية الله بالكذب، لكي تكتمل صورة الممانعة والمقاومة المزعومة.

ثالثًا: لم ينتصر أحد على الشعب السوري، بمعنى الانتصار النهائي؛ لأن الشعب ما زال موجودًا، وهو أقوى من أي جلاد ومن أي قوة محتلة. ولن يبقى الجلادون ولن يدوم المحتلون. ثم إن النصر المزعوم هو نصر عسكري وبحدود معينة. لكن ماذا بعد؟

يقول دبلوماسي روسي سابق إن روسيا هي المذنبة في جعل بشار الأسد يشعر بأنه “منتصر”، ولذلك فهو يرفض أيّ حوار أو تنازل أو تغيير سياسي. ويقول إن سورية لا يمكن أن تستمر كما كانت، ولا بدّ من التغيير السياسي. ويشير إلى أن على الذين يقولون في دمشق أو طهران أو موسكو إنهم انتصروا، إدراك أن النصر النهائي ما زال بعيدًا، فالانتصار الحقيقي هو الانتصار السياسي الذي يزيل الأسباب التي قامت من أجلها الثورة، ويخلق الاستقرار الذي تريده روسيا لتحقيق مصالحها، من خلال البدء بإعادة الإعمار والاستثمار وجني الأرباح، ولكن يبدو أن لبشار وايران أولويات مختلفة.

تدور الآن صراعات مختلفة حول مستقبل الأرض السورية، في إدلب ومنبج وشرقي الفرات وجنوب سورية ووسطها، ومَن هم أطراف الصراع والتنافس على تقرير مصير الأرض السورية والشعب السوري؟ إنهم اللاعبون الأجانب، ولا دور للسوريين أو العرب في هذه النقاشات.

يدّعي بعض اللاعبين المؤثرين أو كلهم أن سبب تدخلهم وتورطهم في المسألة السورية هو الدفاع عن السيادة ووحدة الأرض وحق السوريين في تقرير مصيرهم، والحقيقة أنهم يكذبون، لأنهم انتزعوا كل هذه الحقوق من السوريين، وأبقوهم خارج اللعبة. والحقيقة المرة هي أن اللاعبين الأجانب جاؤوا إلى سورية بحثًا عن مصالح وأجندات خاصة بهم، وثمنها -على ما يبدو- هو حياة الشعب السوري ومستقبله.

لن نتعمق هنا في تحليل أبعاد مصلحة كل طرف؛ لأنها أصبحت معروفة للسوريين بعد ثماني سنوات من عمر الثورة والصراع في سورية، ولكن من المفيد الإشارة إلى حقيقة ما يجري اليوم، ومعظم ذلك لا يُعلَن في التصريحات بل يمارَس عمليًا.

منذ أن سُلّمت حلب للنظام؛ بدأت المتاجرات بالثورة والشعب السوري، وتبعتها مفاوضات أستانا والمصالحات المشؤومة ومناطق خفض التصعيد، التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه. كل ذلك جرى تحت حجج مختلفة، وأسباب خُلِقت خلقًا لكي تبرر التراجع والتخاذل الدولي والإقليمي، تجاه تضحيات وكفاح السوريين.

لعبت الفصائل الإسلامية المتشددة و(النصرة) و(داعش) دورًا حاسمًا في فتح الطريق أمام توسع قوات النظام والميليشيات الطائفية ومعهم روسيا.

أوجَدوا الفصائل الإسلامية المسلحة و(النصرة) و(داعش) التي رفعت رايات دينية “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، وكلها باعت طموحات الشعب السوري باسم الدين، وحاربت الثورة قولًا وفعلًا. كلها خلقت مبررات لتقسيم سورية الذي يدرسه اليوم خبراء من دول مختلفة يحددون مصير بلادنا وشعبنا، ويوزعون ثرواته وجغرافيته، ويطمسون تاريخه وهويته الحضارية.

ما يتعرّض له الشعب السوري وسورية هو مخططٌ دولي بامتياز، سواء سميناه مؤامرة أم خطة أم أجندة، لكنني على يقين -من خلال متابعتي للأحداث طوال ثماني سنوات- بأن القوى الكبرى متفقة استراتيجيًا على مصير سورية؛ فالتقسيم قادمٌ وتوزيع مناطق النفوذ كذلك، وإلا ماذا يعني بناء عشرات القواعد العسكرية، ووجود عشرات الآلاف من المقاتلين النظاميين والمرتزقة والطائفيين، مَن يخدمون يا ترى؟

أعتقد بأن مصير بلادنا تتحكم فيه القوى العالمية المؤثرة، وكلها حريصة على مصلحة “إسرائيل”. ولا تتوهموا أن “إسرائيل” ضد إيران، فهذا وهمٌ كبير، تذكروا أن “إسرائيل” قصفت المفاعل النووي العراقي والسوري، ولم تتعرض للمفاعلات الإيرانية! وكل ما يقوم به النظام في سورية وطهران في المنطقة العربية يخدم “إسرائيل” مباشرة. وهل أميركا بعيدة من كل ذلك؟ إيران هي المسؤول الأول عن نشر الطائفية المقيتة في بلداننا، وقد تركت شرخًا عميقًا في المجتمعات، وسيطول أمد التخلص من أخطارها وآثارها.

صحيح أن بلادنا تدمرت على أيدي الطاغية بشار وحلفائه، وهذا أمرٌ مؤلم ومحزن. وسيقع على عاتق السوريين -الضحية- إعادة بناء سورية من جديد، وأتمنى أن يكون بقيادة مجموعة وطنية شريفة.

بلادنا تتمزق، وتُوزع قطعة قطعة على بنات آوى التي تتخفى تحت أقنعة مختلفة، لكنها تصب في الهدف نفسه. وأهلنا يموتون من البرد والجوع والتشرد، داخل سورية وخارجها، وهناك من يتسلى بالتنظير والتفكير في غرف دافئة مريحة، ويرى أن لديه مزيدًا من الوقت.

النخب الوطنية السورية تبحث عن مخارج من الواقع المرير، حيث يغيب الصوت السوري الوطني الحر االقادر على توضيح الحقيقة الجوهرية للعالم: أن ثورتنا ليست دينية وليست قومية وليست طائفية بل هي ثورة شعب يريد حريته وكرامته ويطمح الى دولة مدنية ديمقراطية بعيدة من التعصب والتشدد والاستبداد والإقصاء، وواجبُنا -النخب والناشطين والمهتمين بصدق بالشأن الوطني- أن نسرع الخطى في بلورة تيار وطني ديمقراطي، وأن نترفع عن الصغائر التي تشغلنا وتؤخر عملنا.

مهماتنا الكبرى تتلخص بالاستمرار في المقاومة الوطنية بكافة الوسائل المتاحة، من أجل الاستقلال وتغيير النظام السياسي، والانتقال إلى دولة القانون التي يتساوى فيها كل السوريين دون أي تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الطائفة.

ما نريده شيء بسيط وهو وجود قوة سياسية تعبّر عن ثوابت الثورة، وتعكس طموحات الشعب السوري كله، ولا تضيع الوقت في تفاصيل ومناظرات سياسية هي ليست من اختصاصنا حاليًا بل الشعب السوري يقررها مستقبلًا، في أجواء آمنة حرة ومستقرة.

نريد نخبة سياسية وطنية مستقلة الرأي، تحظى بثقة الشعب السوري، وتدافع عن مصلحته الوطنية، وتقاوم تقسيمَ سورية وتمزيقها، وترفض بقاء نظام القمع والاستبداد، وتطالب باستقلال سورية ووحدة أراضيها، وتنقل نبض الشارع السوري إلى العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close