تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“المنطقة الآمنة” وما بعدها

قبل سنوات، حين كان النظام طليقًا في استخدام كل ترسانته العسكرية، بما فيها المحرّمة (الكيمياوية والغازية والبراميل وسلاح الطيران)، كان مطلب المنطقة الآمنة رئيسًا ويلقى إجماع كافة فصائل المعارضة، كما أن تركيا، وعددًا من أصدقاء الشعب السوري، طالبوا مرارًا بوجود منطقة آمنة تحمي المدنيين والثوار، وتوفّر قاعدة آمنة لهم، وترافق هذا مع مطلب حظر طيران النظام في تلك المناطق، لكن الإدارة الأميركية السابقة رفضت، وأفشلت كل المساعي التركية وغيرها، لأسباب كانت مبهمة، ثم ظهر لاحقًا أن الإدارة الأميركية كانت تنطلق من مواقف واضحة تتلخص بإدامة النزيف السوري إلى أطول زمن ممكن، بما يخدم المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى، وأنها ضدّ حسم المعركة عسكريًا مع النظام، وقد أعلنت ذلك في مناسبات مختلفة، تحت دعاوى الخوف من الأسلمة ووصول منظمات إرهابية ومتشددة إلى الحكم، كبديل لنظام الأسد، ما يعني بالنتيجة إعادة تأهيل النظام بطريقة ما، وفي زمن ما.

جاء العنوان الكبير “محاربة الإرهاب” الذي أقامت له الإدارة الأميركية حلفًا واسعًا، ودعمت عبره قوات (بي واي دي) الكردية، وحولتها إلى قوة عسكرية ضاربة، ثم إلى اسم عريض (قوات سوريا الديمقراطية) بإشراك بعض العرب فيها، وتمكين هذه القوات، بظل الوجود الأميركي والدور العسكري، من بسط النفوذ على مناطق شاسعة تشمل مناطق غرب وشرق الفرات، وما هو أبعد من ذلك، وصولًا إلى ريف حلب الغربي، وبما شكّل تهديدًا خطيرًا للأمن التركي على معظم حدودها مع سورية، وهو الأمر الذي لا يمكن لتركيا أن تسمح به.

حرب الإرهاب، كما تقول أميركا، انتهت، والمقصود به (داعش) بشكل رئيس، وأن القوات الأميركية ومعها بعض الحلفاء تمكّنوا من طرد أبرز قوات (داعش) في المنطقة، ولم يعد هناك مبرر لوجود قوات وقواعد أميركية على الأرض، ويجب أن تنسحب، وفق ما جاء في إعلان ترمب المفاجئ، خلال تسعين يومًا.

تركيا التي أزعجها تمدد قوات (قسد) التابعة لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) تحركت باتجاهات متعددة وعلى مراحل، فكانت (درع الفرات) في جرابلس ومناطق من ريف حلب، ثم (غصن الزيتون) في عفرين، والعمل على عقد تحالفات واتفاقات مع روسيا، وإيران في ما يعرف بلقاءات أستانا، ومناطق “خفض التصعيد” التي نجح الروس في التهامها جميعًا -عدا إدلب- وإعادتها إلى سيطرة النظام، والاتفاق على تجنيب إدلب المحرقة، بتكفل تركي بمعالجة ومحاربة قوى التطرف والإرهاب فيها.

الإدارة الأميركية التي دعمت عسكريًا ولوجستيا قوات (بي واي دي) وصنعت منها قوة عسكرية مهمة، كانت تصرّح باستمرار (عبر الإدارتين السابقة والحالية) بأنها لا تدعم تلك القوات سياسيًا، وأنها لا تبني معهم علاقات سياسية، وكان هذا الطرح المتناقض يحاول الاستجابة للضغوط التركية المتلاحقة، والعمل على طمأنة الجانب التركي بأن أميركا ليست مع إقامة كيان كردي مستقل على الحدود مع تركيا، وأنها ضمنًا لا توافق على سيطرة حزب (بي واي دي) على المنطقة؛ ما يفتح المجال لتركيا أن تتصرف، وفق معادلة أمنها الحيوي ومواقفها من المسألة السورية.

في اتصال هاتفي، بين الرئيسين أردوغان وترامب في منتصف الشهر الماضي، تمّ الاتفاق على انسحاب القوات الأميركية خلال 90 يومًا من سورية، وعلى أن تتكفل تركيا بمحاربة التنظيمات الإرهابية (وفهم أن المقصود داعش وقوات بي واي دي)، وإقامة منطقة آمنة بإشراف تركي بعمق يصل إلى 20 ميل، يمتدّ على طول الحدود مع سورية، بما يقارب الـ 400 كم. لكن اعتبارات وصراعات أميركية داخلية، وإسرائيلية أيضًا، أحدثت نوعًا من البلبلة في تاريخ الانسحاب الفعلي، وفي تكريس الاتفاق على المنطقة الآمنة وتفاصيلها ومستقبلها، و”تغريدات” ترامب المتناقضة، وتحذيراته من إقدام تركيا على ضرب وجود (قوات سوريا الديمقراطية) وإخراجها تمامًا من تلك المنطقة، وتوعده بأنه سيعمل على تدمير الاقتصاد التركي، جعلت بعض المحللين يفسرون قوله بأنه مجرد شعار، وتنصّل من “حماية الأكراد” واستمرار الضوء الأخضر لتركيا كي تقوم بتنفيذ المتفق عليه، وهو ما جرى التأكيد عليه في الاتصالات الأخيرة بين الرئيسين أردوغان وترامب.

من الواضح أن تركيا عازمة على طرد قوات (قسد) من كامل حدودها مع سورية، والحشود التركية العسكرية المتعاظمة تؤكد ذلك، ويبدو أن هذا الاتفاق لا يقتصر على الإدارة الأميركية، بل ينال قبول كل من روسيا وإيران، ولو بوجود بعض التباينات والخلافات التفصيلية.

لكن السؤال الكبير: ماذا عن بقية مناطق غرب وشرق الفرات التي لا تشملها اتفاقات “المنطقة الآمنة”، وهي مناطق تضم مساحات شاسعة: محافظة دير الزور بالكامل، ومدينة الرقة وأغلب مناطقها، ومدينة الحسكة وعدد من مناطقها؟

هل ستكون تلك المناطق تحت سيطرة النظام السوري، برعاية روسية تضع اليد على المناطق الغنية والاستراتيجية؟ أم أنّ أميركا ستحتفظ بوجودها في المناطق الغنية بالنفط والغاز والثروات الكبرى؟ وأين دور ومصالح إيران في هذه العملية؟

الأهم من ذلك، هل تتمكن قوى الثورة التي تتواجد بقوة شعبية كبيرة في هذه المحافظات، بما فيها من قوى وشخصيات وعشائر وقبائل، من القيام بالدور المأمول لتكون جاهزة لإدارة المنطقة تطبيقًا لشعار أميركي مطروح (أن يسدّ الفراغ وتحكم المنطقة من قبل أبنائها)؟ وهو ما يطرح مهمات حيوية كبيرة لا بدّ لقوى الثورة والمعارضة، وعلى رأسها الائتلاف، من أن تبدأ عملها الميداني، وأن تضع الخطط الواقعية التي تحوّلها إلى قوة فاعلة لا يمكن لأحد أن يتجاوزها، خصوصًا أن (الجيش الوطني) موجود اليوم بقوة، بعدد يقترب من مئة ألف، ومجلس العشائر يحشد فعالياته للإسهام بدوره.

هو التحدي الأكبر أمام قوى الثورة والمعارضة للمرحلة القادمة التي يبدو أنها المقدمة والتمهيد لأي عملية سياسية فاعلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق