كلمة جيرون

يأكلها السوريون مرتين

عندما يجتاح وباءٌ بلدًا ما، لا يمكن وقفه بالتمني أو بالتعاويذ، ومهما حاولنا أن نكتب حرزًا أو حُجبًا، فالجراثيم تتسلل إن لم تجد شرطًا موضوعيًا يقضي عليها.

فساد القيم الاجتماعية والأخلاقية، وانتشار النفاق والكذب والرياء والمحاباة والسكوت عن الخطأ والرشوة والنميمة، هو وباء، وعندما تنتشر مثل هذه القيم السلبية في المجتمعات، لا يمكن القضاء عليها بالتمني وبكتابة الحُجُب.

مشكلة السوريين الأولى أن نظامهم عمل، قبل ثورتهم، طوال خمسة عقود، على تدمير القيم الإيجابية، وانحطاط الأساس الأخلاقي والتربوي، فأفسد التعليم، وعمل على نشر اللصوصية الفكرية والمالية، وشجّع على الفساد الأخلاقي، ورحّب بالخيانة وكتبة التقارير، وسكت عن سرقة المال العام، وعوّد البشرَ السكوتَ عن الخطأ، وطلب تفادي الصدام مع المسؤولين، وأقصى خيرة السوريين، ونصّب أكثرهم سوءًا، وسهّل سبُل الفساد الإداري والقضائي، وسحق تقاليد السوريين وقيمهم ومُثلهم.

مشكلة السوريين الثانية أنهم لم يتغيروا بعد ثورتهم، نشدوا تغيير النظام، لكنهم لم يسعوا على التوازي لتغيير أنفسهم، ولم يستوعبوا أن الثورة على النظام تستلزم ثورة على صعيد الأخلاق أيضًا، لاستعادة القيم المثلى واسترجاع إنسانيتهم.

خرج ملايين السوريين من سورية، هربًا من عنف النظام وقسوته وفساده ولا أخلاقياته، واستقروا في بلاد الله الواسعة، وظلّوا يُطالبون بإسقاط النظام، ويُطالبون بالحرية والكرامة، من دون أن يفكّر كثيرٌ منهم بضرورة إجراء مراجعة للقيم التي زرعها النظام خلال خمسة عقود، في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولم يُفكّروا بأن للحرية شروطًا ذاتية يجب أن تتحقق، ودونها ستفشل أي ثورة.

استمرّ غياب القيم الإيجابية عند المعارضة السورية، وظلّ الخوف من الحرية مهيمنًا، واستمر كثير منهم يتملّق، ويسكت عن الخطأ، ويخرق القوانين، ويرفض تأدية الواجبات، ويستسهل الخيانة والإشاعة والنميمة والتلوّن، والخنوع والخوف والاستسلام، وظلّ كثير منهم يُبرر الصفقات، ويستسهل سرقة المال العام، ويُرحّب بالربح السريع، حتى إن بعضهم أمسى مدافعًا عن الفساد الأخلاقي.

على الرغم من انطلاق الثورة، ظلّ مفهوم القيم، لدى كثير من المعارضين السوريين، براغماتيًا، أي أن الفائدة تُبرر كل شيء، حتى مفاهيم الوطن والدين والأخلاق والشجاعة والفن ونظافة اللسان واليد، وغيرها من المفاهيم الأخلاقية، ظلّت براغماتية.

لا أحد يتفاجأ بحجم الخلل الأخلاقي والقيمي الذي يُعانيه النظام وأزلامه، لكن المأساة هي وجود هذا الخلل الأخلاقي والقيمي لدى المعارضين لهذا النظام، إذ إن المفترض أنهم طالبوا بحريتهم وكرامتهم، وكان عليهم خلق الشرط الموضوعي لمقاومة القيم السلبية التي زرعها النظام فيهم، وأن يجدوا الأساس الأخلاقي والتربوي لمقاومتها.

ليست المسألة تغيير رأس النظام الشمولي وحسب، ولا تغيير أزلامه وقتلته وحسب، إنما المطلوب -على التوازي- العملُ على الذات، وتغيير الأخلاق والبنى الفكرية والإنسانية، واحترام الآخر، ورفض الخيانة، وتقدير أصحاب المعرفة والاختصاص، ونبذ التشهير والإشاعة، وقول كلمة الحق، وتحدّي الجهلة، وتقديس نظافة اليد واللسان، والاعتراف بالخطأ ومعالجته، ومحاسبة الفاسدين أيًا كانوا، حتى لو كان باستخدام العصا، وذلك أفضل ألف مرة من أن يُقال إن السوريين أكلوها مرتين: مرة تحت نير النظام، ومرة عندما خرجوا “من تحت الدلف إلى تحت المزراب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق