مقالات الرأي

مشهد ديمقراطية في أزمة

صحيح أن تاريخ الديمقراطيات الغربية الطويل شهد أزمات متفاوتة في خطورتها، وكان أهمها وأشدها خطورة تلك التي أطاحت في بداية الثلث الثاني من القرن الماضي نظمَها، وأدت إلى حروب طاحنة في أوروبا خصوصًا. ولعل ما تشهده بعض الديمقراطيات الغربية اليوم، وبفضلها، من صعود حثيث فيها لليمين المتطرف الذي يمكن أن يقضي عليها ما إن يتمكن من ناصية الحكم، هو من بعض آيات هذه الأزمة التي تجتازها والتي لا مناص للقوى الديمقراطية فيها من العمل على مواجهتها بكل الوسائل التي يجب أن تبقى ضمن إطار الديمقراطية نفسها. ولم تكن طبيعة الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت قبل سنة ونصف تخرج عن هذا المناخ العام الذي كانت فيها القوى الشعبوية قاب قوسين أو أدنى من سدة الرئاسة، وانتهت آخر الأمر إلى ما يشبه تفكك كل القوى السياسية التقليدية يمينًا ويسارًا، وانتخاب رئيس من خارج الأطر السياسية التقليدية، بدا وكأنه يعِدُ بالكثير مما لم يكن بوسع منافسيه جميعًا أن يعدوا به.

لذلك، لم يكن أحد من الفاعلين في المشهد السياسي الفرنسي يتوقع أن تتحول حركة انطلقت تطالب في البداية بإلغاء قرار رفع أسعار الوقود إلى حركة سياسية واسعة وفاعلة جعلت فرنسا، حكومة ومجتمعًا، تعيش أزمة حادّة غير مسبوقة، في طبيعتها وفي اتساعها وفي تطلعاتها. لم تتوانَ قوى المعارضة السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين عن القيام بمحاولات اختراق هذه الحركة الشعبية، عن طريق تبني مطالبها ومحاولات تجذيرها سرّا وعلانية. وكان من الواضح، من تصريحات أفراد ارتدوا السترات الصفراء على عجل، ترديدهم لمطالب يجهر بها صراحة مسؤولون لدى حزبَي المعارضة المتطرفَين: اليساري واليميني في آن معًا. كما لم يتوان أفرادٌ عُرِفوا بانتماءاتهم إلى اليمين المتطرف عن اختراق الحركة بارتداء السترات الصفراء، والقيام بأعمال التخريب والنهب التي طالت المتاجر والرموز المعمارية الوطنية، فضلًا عن الاعتداء على قوات الشرطة والدرك، والعمل على تحويل شوارع المدن الكبرى إلى ساحات حرب أسبوعيًّا خلال تظاهرات السبت، في محاولة لوسم الحركة بالعنف، وربما إلى دفعها بالفعل إلى هذا الطريق، بعد أن اعتبر البعض أن العنف وحده قمينٌ بحمل الحكومة على الخضوع.

ومع ذلك، باستمرارها وبتصميم أصحابها واتساعها، تمكنت حركة السترات الصفراء في فرنسا، شيئًا فشيئأ، بفضل النظام الديمقراطي نفسه، من دخول المشهد السياسي الفرنسي بوصفها حركة مختلفة، خارج أطر البنى السياسية والاجتماعية التقليدية القائمة من أحزاب ونقابات وبعيدًا منها. ونجحت -تدريجيًا- في وضع النقاط على الحروف، بالنسبة إلى ما بات يُعرف بمطالبها الأساس على الصعيدين الاقتصادي والسياسي: العدالة الاجتماعية في مجالَي الأجور والضرائب من ناحية، وطبيعة وطرق الممارسة الديمقراطية عبر تعديل نظام الديمقراطية التمثيلية واعتماد الديمقراطية المباشرة من ناحية أخرى. وها هي اليوم تسجل أولى نجاحاتها، عبر دفع السلطة التنفيذية لا إلى الاستجابة المباشرة لأولى مطالبها (إلغاء رفع أسعار الوقود، زيادة الحد الأدنى للأجور، إلخ) فحسب، بل إلى استجابة أشمل لمجمل تطلعاتها، من خلال الدعوة إلى نقاش وطني شامل تشارك فيه مختلف الفئات الشعبية في جميع المناطق الفرنسية، ومن ضمنهم بطبيعة الحال أصحاب السترات الصفراء، وإلى وضع آليات هذا النقاش التي ستبدأ برسالة يخاطب بها رئيس الجمهورية المواطنين الفرنسيين، ويقترح فيها ما يراه الأسئلة الجوهرية التي يمكن أن يتناولها النقاش، مع فتح الباب أمام طرح أي مسألة أخرى تتناول هذا الجانب أو ذاك، على كافة الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

سنلاحظ خلال كل ذلك أن أحزاب المعارضة، يمينها ويسارها، بقيت على هامش هذه المعركة الديمقراطية. لا شك في أن استقصاءات الرأي قد لعبت دورًا حاسمًا في تعديل مسار الطرفين فيها: السترات الصفراء والسلطة التنفيذية. فالتأييد الشعبي لمطالب الحركة الذي تجاوز السبعين بالمئة، وانخفض قليلًا بعد حوادث العنف التي جرت بباريس خصوصًا، حمل أصحاب السترات الصفراء، وهم يستمرون في تظاهراتهم وفي تجذير مطالبهم الاجتماعية والسياسية، على النأي بأنفسهم عن كل من يمارس العنف مستغلًّا التظاهرات، وعلى الابتعاد والتميز عن الأحزاب التي لم تتوقف عن محاولاتها استيعابَ حركتهم وتوجيهها. كما أنه من جهة أخرى دفع الحكومة إلى محاولة اتباع سياسة من أجل السيطرة على العنف من ناحية، والاعتراف بشرعية المطالب التي ترفعها الحركة، والبحث عن طرق الاستجابة لها. وهو ما فتح المجال، على الأقل في الوقت الراهن، لبدء الخروج من عنق الزجاجة الذي بدا وكأن الديمقراطية التمثيلية قد حُبِسَت فيها. فلأول مرة منذ عام 1789، عام الثورة الفرنسية، كما كتب المفكر الفرنسي إدغار موران، سوف “يتم التعبير في مناخ مأزوم لا بالتصويت بل بالأمنية”، خلال مدة حددتها السلطة التنفيذية بثلاثة أشهر، وقدمت إطارًا مفتوحًا لها تضمنتها رسالة رئيس الجمهورية.

طبيعي أن تؤدي أحزاب المعارضة المختلفة دورها أو ما تعتبره وظيفتها: الاعتراض بحجة أن المطالب المطروحة في الشوارع واضحة ولا تحتاج إلى نقاش أو تأجيل: رفع الأجور وخفض الضرائب، على الصعيد الاجتماعي، وتبني الديمقراطية المباشرة التي تشرك المواطنين في اعتماد القوانين الخاصة بالقضايا السياسية والاجتماعية التي تمسُّ حياتهم. بل أن يذهب الطرفان، أقصى اليمين وأقصى اليسار، إلى المطالبة بحل المجلس الوطني وإجراء انتخابات جديدة، آملين الوصول بذلك إلى السلطة التي فاتهم الوصول إليها في الانتخابات الأخيرة. كان هامش المناورة أمام السلطة التنفيذية محدودًا. فحلُّ المجلس النيابي، كما فعل الجنرال ديغول إثر حركة الطلبة عام 1968، يمكن أن يؤدي بالأحرى إلى وصول اليمين أو اليسار الشعبويَين إلى الحكم. وكان لا بد، في ظل تراجع التأييد الشعبي للرئيس الحالي، من العثور على طريقة يستجيب بها للمطالب الجوهرية التي طرحتها حركة السترات الصفراء من جهة، ومواصلة برنامج الإصلاحات الاجتماعية والسياسية التي اضطرت الحكومة إلى تأجيلها تحت ضغط حركة السترات الصفراء. هكذا، خرج الرئيس يعلن تفهمه لمطالب هذه الأخيرة، داعيًا إلى نقاش وطني عام يجري خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، ويؤدي بالنتيجة إلى اعتماد المطالب الشعبية التي ستستخلص من هذه النقاشات التي ستجري في كل المناطق والمدن والقرى الفرنسية.

بعد الرسالة التي وجهها الرئيس إلى المواطنين، ووضع آليات النقاش الوطني وضماناته القانونية والتنظيمية وتسمية المسؤولين على الإشراف على النقاش وضمان حريته وشفافيته؛ افتتحت أول جلسة نقاش بحضور الرئيس، وقد دعي إليها ستمئة عمدة لمدن وقرى منطقة الأور (النورماندي). دامت الجلسة ما يقارب سبع ساعات، كان خلالها ممثلون منتخبون، على مرأى من المواطنين الفرنسيين جميعًا الذين كان يسعهم متابعة هذه الجلسة على شاشات التلفزيون مباشرة، يقدمون لرئيس الجمهورية مطالب السكان الذين يمثلونهم، ويطرحون عليه مباشرة، مع غياب أي تنسيق أو إعداد مسبق، كل الأسئلة -بما فيها الأسئلة التي تتناول الموضوعات الحساسة- التي كانت من قبلُ مطروحة بين أصحاب السترات الصفراء، والتي تتناول حاجات من يمثلونهم من السكان وتطلعاتهم بصورة بالغة الشفافية، منتقدين بعض القوانين التي صدرت في العهود السابقة أو منذ انتخابه، أو مقترحين بعض الإجراءات التي تسهم في تحسين شروط معاشهم في المناطق الريفية والزراعية. وحرص رئيس الجمهورية على أن يرد على كل سؤال طُرح عليه، بهدوء وبشفافية، أمام الفرنسيين جميعًا. سيلاحظ المشاهدون/ الشاهدون أن الرئيس حظي، حين دخوله القاعة، ببعض التصفيق الخجول، وأنه، في نهاية الساعات السبع، حظي بتصفيق الجميع وقوفًا!

لا يسع كلّ من تابع هذا النقاش غير المسبوق، على الأقل خلال السنوات الستين من عمر الجمهورية الخامسة، إلا أن يقف بإعجاب أمام مشهد لا يمكن لأي نظام آخر غير نظام الديمقراطية أن يتيحه -وذلك ضمن القواعد التي تفرضها هذه الأخيرة- من حقوق للجميع في الاختلاف والاعتراض والمطالبة والمحاججة. كلٌّ في مكانه وحسب موقعه: رئيس الجمهورية وممثلو السكان المحليين. وغدًا مع مواطنين لا يحملون عبء أي مسؤولية عامة. كلٌّ في موقعه وفي إطار وحدود هذا الموقع وما يترتب عليه من حقوق وواجبات.

لا يستطيع أحدٌ اليوم أن يتنبأ بمآل الأزمة التي فجرتها حركة السترات الصفراء. قد يؤدي هذا النقاش الوطني العام إلى الخروج منها. وذلك يعني نجاح الديمقراطية في عبور عنق الزجاجة عن طريق تجديد نفسها خصوصًا، وقد يؤدي أيضًا إلى استفحالها. وهو ما قد يعني فتح الأبواب أمام اليمين الشعبوي، أي أمام المجهول.

يبقى أن فرنسا، منذ السابع عشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تقدم درسًا غير مسبوق في ممارسة الديمقراطية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close