سلايدرقضايا المجتمع

“عرين الأسد” وشبح المجاعة

امرأة سورية تحرق نفسها وأطفالها في مخيم الركبان؛ لعجزها عن تأمين الطعام لهم… رجل في حماة يُلقي نفسه في نهر العاصي، بعد أن ضاقت به سبل العيش… رجل آخر فقد عقله فخرج من دكانه عاريًا، بعد أن زار دكانه مفتشون من وزارة التموين… عشرات الفنانين والإعلاميين والناشطين، على طول البلاد وعرضها، يوجهون -في سابقة تاريخية- رسائلَ مفتوحة إلى رئيسهم، من أجل فعل أي شيء لتأمين الوقود وحليب الأطفال كحد أدنى.

مواطن سوري يُدوّن على صفحته بأن الحاجة الحقيقة والمقننة من الوقود، لبيتٍ واحد من غرفتين، تعادل ثلاثة آلاف ليرة سورية في اليوم وما يُعادل تسعين ألفًا في الشهر، في الوقت الذي يبلغ متوسط الرواتب أربعين ألفًا، أي أن الموظف ما زال بحاجة إلى خمسين ألفًا، كي يُغطي نفقات التدفئة فحسب، بلا طعام أو شراب أو دواء. جارتنا امرأة عجوز اشترت في المساء عشرين ليترًا من الديزل من مال المحسنين، فسطا عليها اللصوص ليلًا، ففقدت كل ما تملك، وهو هذه الكمية من وقود التدفئة، القرية أو المدينة التي تصل إليها سيارة محملة بأسطوانات الغاز يستقبلها الناس بالأغاني والأهازيج، ولكن الأمر سرعان ما يتطور إلى عراك يُستخدَم فيه السلاح الأبيض، في ظل غياب كامل للقانون.

ما الذي حصل؟

حتى في أكثر الأوقات صعوبة التي مرت فيها البلاد، كانت الحكومة تؤمّن الحد الأدنى من الاحتياجات للناس، وإن بأسعار مرتفعة، فما الذي حصل حتى وصلت الأمور بالبلاد إلى شبح المجاعة؟

ما حصل له ثلاثة أسباب جوهرية:

– السبب الأول هو العقوبات الاقتصادية والمالية على إيران، إذ كان المتضرر الأول منها هو التمدد الإيراني وأدواته، حيث كانت إيران تدعم نظام الأسد بكتلة مالية كبيرة شهريًا، على مدار السنوات السابقة، ومصدر هذه الأموال كان المال المنهوب من النفط العراقي، ومن ميناء البصرة على وجه التحديد، وقد كان لافتًا -قبل أيام- خبر هروب مدير نفط البصرة، وفقدان مبلغ 150 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات، بمعدل خمسين مليار كل عام، حيث كان المدير الهارب يُسلّم النقود إلى طهران، ويكتفي بالفتات، وإيران تُصدّر المال إلى دمشق، أما اليوم فطهران في حاجة إلى كل دولار، من أجل الداخل الإيراني، حيث بات النظام هناك مهددًا بالسقوط، وبالتالي افتقار دمشق إلى المال قلل من قدرتها على تمويل الواردات، سواء من مواد الطاقة أو حليب الأطفال، أو غيرها من المواد الضرورية لأبسط أنواع الحياة.

– السبب الثاني هو افتقار حكومة النظام إلى موارد اقتصادية مهمة، منحها النظام لكل من روسيا وإيران، من خلال عقود استثمار واحتكار طويلة الأجل، مثل الفوسفات والغاز والنفط، وكانت تدرّ أرباحًا لا بأس بها على خزينة الدولة، ولو بالحدود الدنيا، وذلك في ظل خروج القطاع الصناعي بنسبة تتجاوز 80 بالمئة من واردات الدخل الوطني، وتعثر القطاع الزراعي لعوامل كثيرة، وبطبيعة الحال خروج القطاع السياحي بشكل كامل عن حسابات الوارد في الميزانية.

– السبب الثالث، وهو الأهم والأخطر، هو ثنائية الفساد و “الإدارة الرشيدة” فقد خلفت السنوات الثماني المنصرمة طبقةً من تجار الحرب والأزمات، وهذه الطبقة لم تكن لتنشأ لولا التواطؤ معها من طرف أعمدة النظام ومتنفذيه، في كل قطاعات الحياة، فهؤلاء التجار وشركاؤهم في السلطة يستفيدون من الواقع الحالي الذي يدرّ عليهم أموالًا طائلة، ولا مجال لمحاسبة المتنفذين ورؤساء الأجهزة الأمنية؛ لأنهم -ببساطة- هم السلطة والنظام، وهم ورأس السلطة في مركب واحد أبحر في دماء السوريين مدة ثماني سنوات، ولا يخفى على أحد أن جميع هؤلاء تم انتقاؤهم بناءً على الولاء المطلق لرأس النظام، وليس بناءً على كفاءتهم أو ولائهم للشعب.

لذلك؛ ستكون الحكومة (مجلس الوزراء) عاجزة عن اتخاذ أي قرار، يُخفف من حدة المعاناة في الظروف الراهنة، لكونها لا تمتلك الموارد، حتى إن امتلكت فجميع أعضائها يعمل طبقًا للتعليمات الصادرة من الجهات الأمنية، ماذا يستطيع أن يفعل أَي وزير في الحكومة السورية، وهو الذي يرتجف يومًا كاملًا بعد كل اتصال من أصغر ضابط أمن في البلد؟

في واقع الأمر، جرّ رأس السلطة السورية إلى متاهة من الجوع والفقر وانعدام الأمن والفساد، لا يمكن للبلاد الخروج منها، بوجود أي من وجوه السلطة الحاليين، ومن دون انتقال سياسي حقيقي وعميق للسلطة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق