تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

رفض بريطانيا إعادة فتح سفارتها في دمشق.. الأسباب والدوافع

بالتزامن مع التحرك العربي نحو إعادة فتح السفارات التمثيلية لدى النظام السوري، صرّح ممثل بريطانيا الخاص لسورية مارتين لونغدن، بأن بلاده ليس لديها النية لإعادة افتتاح سفارتها لدى النظام السوري في دمشق، التي أغلقتها منذ عام 2012. وسبق أن عكست الحكومة البريطانية موقفها من نظام الأسد بالإشارة، على لسان وزير خارجيتها جيريمي هنت، إلى أن رئيس النظام، بشار الأسد، سيبقى “لبعض الوقت” فقط.

وأثارت التصريحات والمواقف البريطانية عدة تساؤلاتٍ عن الدوافع الحقيقية لها، وعن مدى فعالية الموقف البريطاني من عملية التسوية الجارية في سورية.

لقد برزت الرغبة البريطانية في تحقيق مستوى عالٍ للتعاون مع دول المنظقة في محاربة (داعش) والمشاركة في إدارة مرحلة تسوية الأزمة السورية ما بعد (داعش) على هامش زيارة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، لأنقرة في كانون الثاني/ يناير 2017، حيث صرحت بأن بريطانيا تسعى لتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، ولا سيما تركيا ذات الدور الفاعل في المنطقة. وقد لُوحظ توجه لندن نحو إنجاز ذلك، من خلال إتباع ماي لقائها بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، بزيارتها إلى أنقرة، والتقائها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التاريخ المذكور.

وقد اكتسبت هذه الدلالة تأكيدًا، من خلال تزامن لقاءات ماي مع دخول قوات بريطانية خاصة لدعم الثوار السوريين المحاربين لـ (داعش) في محيط قاعدتي (التنف) و(الزكف)، فضلًا عن القيام بإنزال جوي في الطبقة، في 3 نيسان/ أبريل 2017، وفقًا لموقع (الجزيرة-نت)، وصحيفة (الغارديان) البريطانية التي نشرت، في ذلك الحين، صورًا تُظهر انتشار قوات بريطانية في محيط قاعدة (التنف)، ومن ثم الإبقاء على قواتها منتشرة إلى جانب القوات الأميركية، في قاعدتي (التنف) و(الزكف)، على الرغم من تضاؤل خطر (داعش).

واستمرت لندن في التصريحات الدبلوماسية الساخنة ضد النظام وداعمه السياسي الأكبر موسكو، لتُصبح دوافعها لإصدار مثل هذه التصريحات، ومواصلة الضغط الدبلوماسي ضد النظام السوري، ورفع مستوى تنسيقها مع الحلفاء الدوليين والإقليميين، مثارَ تساؤل. وقد تفي العوامل المذكورة أدناه في توضيح دوافع بريطانيا نحو إصدار التصريحات اللاذعة ضد نظام الأسد وحلفائه.

مقارعة النفوذ الروسي في سورية وحوض شرق البحر المتوسط

إن تنامي النفوذ الروسي في سورية ومحيط شرق البحر المتوسط يؤثر سلبًا في نفوذ ومصالح بريطانيا في المنطقة، حيث يحتضن حوض شرق البحر المتوسط قاعدة عسكرية بريطانية “ضامنة لعملية السلام” في جزيرة قبرص، وقواعد عسكرية أخرى موجودة في بعض دول الخليج التي تقاسي تمدد النفوذ الإيراني الذي بات يُشكّل خطرًا على بعض المنافذ البحرية التجارية الدولية، وهي تمد بريطانيا بكميات ملموسة من الطاقة. وترى بريطانيا أن هاتين الدولتين منافستان للقطب الغربي عامة، لذا لا بد من تقليم نفوذهما، وتطبيق سياسة “الاحتواء والتطويق” ضدهما، ولا سيما في سورية التي تمثل الجغرافيا الأساسية المركزية لهذا التمدد الذي يؤثر سلبًا في نطاق النفوذ البريطاني في حوض شرق البحر المتوسط، والمنطقة عامة. وفي هذا السياق، تتماشى بريطانيا إلى حدٍ بعيد مع استراتيجية “الاحتواء والتطويق” التي تحاول الولايات المتحدة اتباعها ضد روسيا وإيران، من خلال تحقيق انتشار تشاركي يشمل عددًا كبيرًا من الدول الإقليمية والكبرى على طول الحدود السورية – العراقية من جهة، والحدود التركية – السورية من جهةٍ أخرى.

في الإطار ذاته، تجدر الإشارة إلى أن وجود بريطانيا في سورية، وقيامها بالضغط الدبلوماسي والأمني على النفوذ الروسي، يوفر لها ورقة ميدانية تناور أو توازن من خلالها النفوذ الروسي، في بحر البلطيق الذي يعدّ إحدى النقاط الساخنة بين القطبين الروسي والغربي، وهو لا يبعد كثيرًا من الجغرافيا البريطانية.

التوجه نحو الانفصال عن الاتحاد الأوروبي والحاجة إلى دور فردي فاعل

من المحتمل أن رغبة بريطانيا في العودة إلى الساحة الدولية بشكلٍ بارزٍ، بعد قطعها بعض الخطوات في الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، هي أحد الأسباب الدافعة لها نحو البحث عن موطئ قدم في المسألة السورية، من خلال إظهار وجودها الميداني في بعض المناطق السورية التي تشكّل أهمية استراتيجية بالنسبة إلى دول الجوار، كمنطقة جنوب وشرقي سورية المحاذية للعراق والأردن، ومواصلاتها لإصدار التصريحات المناوئة لاستمرار الأسد في الحكم، ولا سيّما أن الأزمة السورية تُعدّ قضية اللحظة الدولية، وتوفر لبريطانيا نبذةً من تحقيق ما ترنو إليه.

ضغط دبلوماسي عبر الحلفاء بعد فشلها في استصدار قرارات من مجلس الأمن

يبدو أن أحد أهم الدوافع لاتجاه لندن نحو إبراز دورها الدبلوماسي والعسكري المناوئ لتحركات النظام وموسكو السياسية، هو إخفاقها في استصدار قرارٍ يدين النظام السوري من مجلس الأمن، بسبب (الفيتو) الروسي والصيني، لترى، على الأرجح، أن التحرك الميداني والدبلوماسي التحالفي قد يضمن مصالحها في المنطقة على نحوٍ أفضل.

تتماشى الخطوات الدبلوماسية للحكومة البريطانية، حيال نظام بشار الأسد وحلفائها، مع أسس المدرسة الإنكليزية السياسية، التي تُشير إلى أن بريطانيا الحديثة تحاول إحراز مصالحها القومية في البداية من خلال الاعتماد على مبدأ الدبلوماسية الهادئة، والتعاون داخل المؤسسات الدولية، والاعتماد على المبادئ الحقوقية، واتخاذ دورٍ بسيط في التحالفات العسكرية الداعمة للحقوق، وفي نهاية المطاف، تميل إلى التحركات الأمنية العسكرية المباشرة. ويلاحظ المتمعن في مسار السياسة البريطانية حيال المسألة السورية، أن بريطانيا اعتمدت مبدأ الدبلوماسية الهادئة، من خلال دعوة روسيا أكثر من مرة إلى العزوف عن دعم نظام الأسد، وفي إطار ذلك شاركت في الحصار الاقتصادي الذي فرضته الدول الأوروبية على روسيا، نتيجة سياستها “الهجومية الاحتلالية” في القرم ومناطق أخرى حول العالم.

كذلك، ترجمت بريطانيا مبدأ التعاون الاتحادي داخل المؤسسات الدولية عبر رفعها، عادة بالتعاون مع فرنسا، أكثر من مرة مشروع فرض عقوبات على النظام السوري إلى مجلس الأمن، ولكن دومًا كان يتم الاعتراض على مشاريعها من قبل (الفيتو) الروسي والصيني. وبما أن التحالف الدولي لم يدعم الحقوق التي تصب في صالح المصلحة البريطانية، أضحت الطريق مسدودة أمام بريطانيا التي باتت بحاجة إلى سياسة “الحسم” التي تشكل المرحلة الأخيرة من مسار سياستها.

في الختام، يبدو أن بريطانيا لم تعد تلك الإمبراطورية العظمى التي تساهم في تحديد أجندة الساحة الدولية كما تريد، لذا يبقى دورها متربطًا بالدور والخطط الأميركية، والمناورة في سورية ضمن هذه الخطط، من أجل خدمة مصالحها في الميادين الأخرى قدر الإمكان. وقد يلامس دورها المستقبلي في سورية في إطار الاستراتيجية الأميركية القائمة على تحقيق انتشار تشاركي. إلا أن حزب العمال المعارض، بزعامة جرمي كوربين، يدعم علانية نظامَ الأسد، ولذلك يُتوقّع -في حال جرت انتخابات في بريطانيا وفاز فيها العمال- أن تتغير التحركات البريطانية لمصلحة الأسد ونظامه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق